وفاء الوفاء بأخبار دار المصطفى - المنقري، نصر بن مزاحم - الصفحة ٢٦٤ - الفصل الثاني في ذرعه و حدوده التي يتميز بها عن سائر المسجد اليوم
المنبر و الدرابزين اليوم مقدار أربعة أذرع و ربع ذراع، و المنبر لم يغير من جهة القبلة، و كذا المصلى الشريف، انتهى. فلم يعتبر الذرع من الدرابزينات.
و قد اختبرت أنا ذلك بنفسي من الدرابزينات المذكورة إلى الحجرين المذكورين فكان سبعين ذراعا بذراع اليد المتقدم ذكره، و قد قال ابن جماعة: إنه اختبر ذلك بذراع العمل فكان ستة و أربعين ذراعا و ثلثي ذراع؛ فهو موافق لذرعنا، بل يرجح قليلا؛ لأن ذراع العمل ذراع و نصف راجح من ذراع اليد.
و أما ما ذكره المراغي في كتابه من الذرع فغير موافق لذرعنا؛ لأنه اعتمد في ذلك كما صرح به على ذراع المدينة الشريفة اليوم، و قد اختبرته فوجدته يزيد على ذراع اليد الذي حررناه بأكثر من قيراط، و قول المطري: «إن بين المنبر و الدرابزين اليوم مقدار أربعة أذرع و ربع» مخالف لما اختبرناه؛ فإن بينهما ثلاثة أذرع و نصف بالذراع الذي حررناه، لكن سيأتي أن المنبر اليوم ليس هو ذلك، و أنه قد اتضح لنا عند الحفر لتأسيس المنبر الرخام الآتي ذكره صحة ما قاله المطري، و أن المنبر الذي أدركناه قدّم عن محل المنبر الأصلي لجهة القبلة أزيد من نصف ذراع، كما سنوضحه إن شاء الله تعالى.
و قد ذكر ابن زبالة و يحيى من طريقه نقلا عن غير واحد من أهل العلم تحديد المسجد الشريف من هذه الجهة فقالا: و علامته في القبلة حروف المرمر الذي المنبر وسطه، و علامته من الشام أربعة طيقان من ناحية المشرق و المغرب، و علامة الطيفان الأربع أنهن مخضرات الأجواف بالفسيفساء كلهن.
قلت: و المرمر اليوم لا يظهر منه شيء. لكن يؤخذ من كلام ابن زبالة في وصف هذا المرمر أنه كان دكة مرتفعة حول المنبر قدر الذراع، و أنه ممتد من المغرب قدر ثلاثة أذرع، و من المشرق ثلاثة، و من القبلة ثلاثة، فإنه قال: حدثني محمد بن إسماعيل قال:
رأيت طنفسة [١] كانت لعبد الله بن حسن بن حسن تطرح قبالة المنبر على مرمر كان هناك، قال: فحبس عبد الله بن حسن سنة أربعين و مائة، و بقيت الطنفسة بعده أياما، ثم رفعت، قال: ثم إن الحسن بن زيد بن الحسن بن علي (رضي الله عنهم) لما ولي المدينة سنة خمسين و مائة في خلافة أبي جعفر نقض المرمر و وسعه من جوانبه كلها حتى ألحقه بالسواري، فكلمه أبو مودود عبد العزيز بن أبي سليمان أن يدع له مصلاه فتركه و لم يلحق المرمر بالأساطين المقدمة؛ فالمرمر اليوم هو الذي عمل الحسن بن زيد، و المرمر الذي حول المنبر المرتفع عن المرمر الذي عمل الحسن بن زيد بين ستة أساطين ثلاثة أذرع من قبل القبلة و ثلاثة أذرع من قبل المشرق و ثلاثة أذرع من قبل المغرب، و هو مرتفع عن الأرض نحوا من ذراع، انتهى.
[١] الطنفسة: النمرقة فوق الرّحل. و- البساط.