وفاء الوفاء بأخبار دار المصطفى - المنقري، نصر بن مزاحم - الصفحة ٣٥ - يخلق الإنسان من تربة الأرض التي يدفن فيها
و روى ابن الجوزي في الوفاء عن عائشة قالت: لما قبض النبي (صلّى اللّه عليه و سلم) اختلفوا في دفنه؛ فقالوا: أين يدفن رسول الله (صلّى اللّه عليه و سلم)؟ فقال علي: إنه ليس في الأرض بقعة أكرم على الله من بقعة قبض فيها نفس نبيه (صلّى اللّه عليه و سلم) و روى يحيى أن عليا قال لما اختلفوا: لا يدفن إلا حيث توفاه الله عز و جل، و أنهم رضوا بذلك.
قلت: و يؤخذ مما قاله على مستند نقل الإجماع السابق على تفضيل القبر الشريف؛ لسكوتهم عليه، و رجوعهم إلى الدفن به.
و لما قال الناس لأبي بكر (رضي الله عنه): يا صاحب رسول الله، أين يدفن رسول الله (صلّى اللّه عليه و سلم)؟ قال: في المكان الذي قبض الله تعالى روحه فيه؛ فإن الله لم يقبض روحه إلا في مكان طيب، رواه الترمذي في شمائله، و النسائي في الكبرى، و إسناده صحيح، و رواه أبو يعلى الموصلي، و لفظه: سمعت رسول الله (صلّى اللّه عليه و سلم) يقول: «لا يقبض النبي إلا في أحب الأمكنة إليه».
قلت: و أحبها إليه أحبها إلى ربه؛ لأن حبه تابع لحب ربه إلا أن يكون حبه عن هوى نفس، و ما كان أحب إلى الله و رسوله كيف لا يكون أفضل، و لهذا أخذت تفضيل المدينة على مكة من قوله (صلّى اللّه عليه و سلم) كما في الصحيح: «اللهم حبّب إلينا المدينة كحبنا مكة أو أشد» أي بل أشد، أو و أشد، كما روي به، و من إجابة دعوته (صلّى اللّه عليه و سلم) كان يحرك دابته إذا رآها من حبها.
و قد روى الحاكم في مستدركه حديث: «اللهم إنك أخرجتني من أحب البقاع إلي، فأسكنّي في أحب البقاع إليك» و في بعض طرقه أنه (صلّى اللّه عليه و سلم) قاله حين خرج من مكة، و في بعضها أنه وقف بالحزورة [١]، و في بعضها بالحجون [٢] فقاله، و قد ضعفه ابن عبد البر.
قيل: و لو سلمت صحته فالمراد أحب البقاع إليك بعد مكة؛ لحديث: «إن مكة خير بلاد الله» و في رواية: «أحب أرض الله إلى الله» و لأنه قد صح لمسجد مكة من المضاعفة زيادة على ما صح لمسجد المدينة كما سيأتي.
قلت: فيما قدمناه من دعائه (صلّى اللّه عليه و سلم) بحبها أشد من حب مكة مع ما أشرنا إليه من إجابة دعائه (صلّى اللّه عليه و سلم) و من أنه تعالى لا يجعلها أحب إلى نبيه إلا بعد جعلها أحب إليه تعالى غنية عن صحة هذا الحديث، و كون المراد منه ما ذكر خلاف الظاهر، و ما ذكر لا يصلح مستندا في
[١] الحزورة: الرابية الصغيرة.
[٢] الحجون: جبل بمكة.