وفاء الوفاء بأخبار دار المصطفى - المنقري، نصر بن مزاحم - الصفحة ٢٥١ - الفصل الأول في أخذه
الخير كما رغب فيه أسعد، و أبو أمامة و معاذ بن عفراء، فدفع لهم أبو بكر العشرة، و دفع كل من أولئك ما تقدم، و لم يقبله (صلّى اللّه عليه و سلم) بلا ثمن أولا لكونه لليتيمين، لكن ابن سيد الناس نقل عن البلاذري أنه قال عقب كلامه الآتي: فعرض- يعني أسعد- على النبي (صلّى اللّه عليه و سلم) أن يأخذها و يغرم لليتيمين ثمنها، فأبى رسول الله (صلّى اللّه عليه و سلم) ذلك، و ابتاعها منه بعشرة دنانير أداها من مال أبي بكر، انتهى؛ فيحتمل أنه (صلّى اللّه عليه و سلم) أخذ أولا بعض المربد، ثم أخذ بعضا آخر؛ لما سيأتي من أنه زاد فيه مرة أخرى؛ فليست القصة متحدة. و رأيت بخط الأقشهري في كلام نقله عن أبي جعفر الداودي عن عبد الله بن نافع صاحب مالك أن المسجد كان مربدا لابني عفراء.
قلت: يحتمل نسبته إليهما لولايتهما على اليتيمين، أو أن لليتيمين أما تسمى عفراء، و أما ابنا عفراء المشهوران فهما معاذ و معوذ ابنا الحارث، و الذي في الصحيح من تسمية الغلامين سهل و سهيل أصح، و الله أعلم.
و في كتاب يحيى ما يقتضي أن أسعد بن زرارة كان قد بنى بهذا المربد مسجدا قبل مسجد الرسول (صلّى اللّه عليه و سلم)؛ فإنه قال: حدثنا بكر ثنا محمد بن عمر ثنا معاذ بن محمد عن يحيى بن عبد الله بن عبد الرحمن بن أسعد بن زرارة قال: سمعت أم سعد بنت سعد بن الربيع تقول:
أخبرتني النوار بنت مالك أم زيد بن ثابت أنها رأت أسعد بن زرارة قبل أن يقدم رسول الله (صلّى اللّه عليه و سلم) يصلي بالناس الصلوات الخمس، و يجمع بهم في مسجد بناه في مربد سهل و سهيل ابني رافع بن أبي عمرو بن عائذ بن ثعلبة بن غنم بن مالك بن النجار، قالت: فأنظر إلى رسول الله (صلّى اللّه عليه و سلم) لما قدم صلّى بهم في ذلك المسجد و بناه، فهو مسجده اليوم.
و نقل ابن سيد الناس عن ابن إسحاق أن الناقة بركت على باب مسجده (صلّى اللّه عليه و سلم) و هو يومئذ ليتيمين من بني مالك بن النجار في حجر معاذ بن عفراء سهل و سهيل ابني عمرو، ثم قال: و ذكر أحمد بن يحيى البلاذري، قال: فنزل رسول الله (صلّى اللّه عليه و سلم) عند أبي أيوب، و وهبت له الأنصار كل فضل كان في خططها، و قالوا: يا نبي الله إن شئت فخذ منازلنا، فقال لهم خيرا، قالوا: و كان أبو أمامة أسعد بن زرارة يجمّع بمن يليه في مسجد له، فكان رسول الله (صلّى اللّه عليه و سلم) يصلي فيه، ثم إنه سأل أسعد أن يبيعه أرضا متصلة بذلك المسجد كانت في يديه ليتيمين في حجره يقال لهما سهل و سهيل ابنا رافع بن أبي عمرو بن عائذ بن ثعلبة بن غنم، كذا نسبهما البلاذري، و هو يخالف ما سبق عن ابن إسحاق و غيره، و الأول أشهر، انتهى، و تشهيره للأول- و هو كون الغلامين ابني عمرو- تقدم ما يقتضيه، لكن تقدم أيضا ما يقتضي الثاني، و هو الأرجح فقدم صرح ابن حزم في الجمهرة، و رواه ابن زبالة عن ابن شهاب، و كذا ذكره ابن عبد البر. و ذكر السهيلي فيما نقله عنه الذهبي ما يحصل به الجمع