وفاء الوفاء بأخبار دار المصطفى - المنقري، نصر بن مزاحم - الصفحة ٣٣ - كلام للتقي السبكي
كلام للتقي السبكي
قال التقي السبكي: و قد رأيت جماعة يستشكلون نقل هذا الإجماع، و قال لي قاضي القضاة السروجي الحنفي: طالعت في مذهبنا خمسين تصنيفا فلم أجد فيها تعرضا لذلك، قال السبكي: و قد وقفت على ما ذكره ابن عبد السلام من أن الأزمان و الأماكن كلها متساوية، و يفضلان بما يقع فيهما، لا بصفات قائمة بها، و يرجع تفضيلها إلى ما ينيل الله العباد فيهما، و أن التفضيل الذي فيهما أن الله يجود على عباده بتفضيل أجر العاملين فيهما، قال السبكي: و أنا أقول: قد يكون التفضيل لذلك، و قد يكون لأمر آخر فيهما، و إن لم يكن عمل؛ فإن القبر الشريف ينزل عليه من الرحمة و الرضوان و الملائكة، و له عند الله من المحبة، و لساكنه ما تقصر العقول عن إدراكه، و ليس ذلك لمكان غيره، فكيف لا يكون أفضل الأماكن؟ و ليس محل عمل لنا، فهذا معنى غير تضعيف الأعمال فيه، و أيضا فباعتبار ما قيل: إن كل أحد يدفن بالموضع الذي خلق منه، و أيضا فقد تكون الأعمال مضاعفة فيها باعتبار أن النبي (صلّى اللّه عليه و سلم) حي، و أن أعماله مضاعفة أكثر من كل أحد؛ فلا يختص التضعيف بأعمالنا نحن.
قلت: و هذا من النفاسة بمكان، على أني أقول: الرحمات و البركات النازلة بذلك المحل يعم فيضها الأمة، و هي غير متناهية؛ لدوام ترقياته (عليه الصلاة و السلام)، و ما تناله الأمة بسبب نبيها هو الغاية في الفضل، و لذا كانت خير أمة بسبب كون نبيها خير الأنبياء، فكيف لا يكون القبر الشريف أفضل البقاع مع كونه منبع فيض الخيرات؟ أ لا ترى أن الكعبة على رأي من منع الصلاة فيها ليست محل عملنا، أ فيقول عاقل بتفضيل المسجد حولها عليها لأنه محل العمل مع أن الكعبة هي السبب في إنالة تلك الخيرات؟ و أيضا فاهتمامه (صلّى اللّه عليه و سلم) بأمر أمته معلوم، و إقبال الله عليه دائم، و هو بهذا المحل الشريف، فتكثر شفاعته فيه لأمته و أمداده إياهم، و قد ورد في حديث «وفاتي خير لكم» و جاء بيان ذلك بأن «أعمالكم تعرض عليّ؛ فإن رأيت خيرا حمدت الله، و إن رأيت غير ذلك استغفرت لكم» و في رواية «استوهبت الله ذنوبكم» و له شواهد تقويه، و سيأتي في الباب الثامن أن المجيء المذكور في قوله تعالى: وَ لَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ جاؤُكَ [النساء: ٦٤] الآية حاصل بالمجيء إلى قبره الشريف أيضا، فزيارته و المجاورة عنده من أفضل القربات، و عنده تجاب الدعوات، و تحصل الطلبات، فقد جعله الله تعالى سببا في ذلك أيضا، فهو روضة من رياض الجنة، بل أفضل رياضها، و قد قال (صلّى اللّه عليه و سلم): «لقاب قوس