وفاء الوفاء بأخبار دار المصطفى - المنقري، نصر بن مزاحم - الصفحة ١٣٥ - أول خبر سيل العرم
فمرت حتى دخلت على عمرو، فلما رآها قال: هلمي يا طريفة، فقالت: و النور و الظلماء، و الأرض و السماء، إن الماء لغائر، و إن الشجر لهالك، فقال عمرو: و من أخبرك بذلك؟ قالت: أخبرتني المناجذ، بسنين شدائد، يقطع فيها الولد الوالد، و سلحفاة تحذف بالتراب حذفا، و تقذف بالبول قذفا، و رأيت الشجر من غير ريح و لا مطر تكفأ، قال: و ما ترين ذلك؟ قالت: داهية وكيمة [١]، و أمور جسيمة، قال: أما إن كان ذلك فلك الويل. قالت: أجل و ما لعمرو فيها من نيل، مما يجيء به السيل، فألقى بنفسه على الفراش و قال: ما هذا الذي تقولين إلا أمر جليل، و خلف قليل، و أخذ القليل خير من تركه، قال عمرو: و ما علامة ما تذكرين؟ قالت: إذا رأيت جرذا يكثر في السد الحفر، و يقلب منه بيديه الصخر، فاعلم أن قد وقع الأمر. فانطلق عمرو إلى السد ينظر فإذا جرذ يقلب بيديه و رجليه الصخرة ما يقلها خمسون رجلا من أسد، فرجع إلى طريفة فأخبرها.
ثم رأى عمرو رؤيا أنه لا بد من سيل العرم، و قيل: إن آية ذلك أن ترى الحصى قد ظهر في شرب النخل، فذهب فرأى ذلك، فعرف أن ذلك واقع، و أن بلادهم ستخرب، فكتم ذلك و أخفاه، و أجمع على أن يبيع كل شيء له بأرض سبأ و يخرج منها هو و ولده، فخشي أن يستنكر الناس ذلك، فاحتال في الأمر، فأمر بإبل فنحرت، و بغنم فذبحت، و صنع طعاما واسعا، و بعث إلى أهل مأرب بأجمعهم، و كان فيمن دعا يتيم كان رباه و أنكحه، و قال له فيما بينه و بينه: إذا أنا جلست أطعم الناس فاجلس بجنبي ثم نازعني الحديث و اردد عليّ مثل ما أقول لك، و افعل بي مثل ما أفعل بك، فكلمه عمرو في شيء، فرد عليه، فضرب عمرو وجهه و شتمه، ففعل اليتيم به مثله، فصاح عمرو: وا ذلاه، اليوم ذهب فخر عمرو و مجده، فحلف ليقتلنه، فلم يزالوا به حتى تركه، و قال: و الله لا أقيم ببلدة صنع بي هذا فيه أبدا، و لأبيعن أموالي كلها و أرحل عنكم، فاغتنم الناس غضبه و اشتروا منه أمواله، فباع جميع عقاره، و تبعه ناس من الأزد فباعوا أموالهم، و لما كثر البيع استنكر الناس ذلك، فأمسكوا، فلما اجتمع عند عمرو بن عامر أثمان أمواله أخبر الناس بأمر سيل العرم، فخرج من مأرب ناس كثير، و أقام بها من قضي عليه بالهلاك، هذا ما نقله رزين في تاريخه و قد اقتفيت أثره في ذلك في كتابي.
و ذكر ابن هشام في سيرته نحوه، و قال: إن الأسد- يعني الأزد- قالوا: لا نتخلف عن عمرو بن عامر، فباعوا أموالهم و خرجوا معه، و قيل: كانت طريفة زوجة ثعلبة، و إنه صاحب القصة و المحتال في بيع ماله.
[١] وكيمة داهية: مصيبة محزنة.