وفاء الوفاء بأخبار دار المصطفى - المنقري، نصر بن مزاحم - الصفحة ٦٢ - ما جاء في أن تمرها شفاء
و به سميت الوجيئة، و هو تمر يبل بلبن ثم يدق حتى يلتئم [١]، و منه الحديث «أنه دعا سعدا فوصف له الوجيئة» و قوله «ثم ليلدّك» أي: يسقيك، يقال: لدّه باللّدود، إذا سقاه الدواء في أحد جانبي الفم.
و في كامل ابن عدي حديث «ينفع من الدؤام أن يأخذ سبع تمرات من عجوة المدينة كل يوم يفعل ذلك سبعة أيام» و في غريب الحديث للخطابي عن عائشة (رضي الله عنهما) «أنها كانت تأمر للدؤام و الدوار بسبع تمرات عجوة في سبع غدوات على الريق» و الدؤام و الدوار: ما يأخذ الإنسان في رأسه فيدومه، و منه تدويم الطائر، و هو: أن يستدير في طيرانه، قال الخطابي: كون العجوة عوذة من السم و السحر إنما هو من طريق التبرك بدعوة رسول الله (صلّى اللّه عليه و سلم) لا لأن طبعها يفعل شيئا، و قال النووي: في تخصيصها دون غيرها و عدد السبع من الأمور التي علمها الشارع، و لا نعلم نحن حكمتها؛ فيجب الإيمان بها، و اعتقاد فضلها، و ما ذكره المازري و القاضي في هذا باطل، و قصدت بذلك التحذير من الاغترار به، انتهى. و أشار به لقول القاضي في أثناء تعليل ذلك: إنه لتأثير في الأرض أو الهواء، و لقول المازري: لعل ذلك كان لأهل زمنه (صلّى اللّه عليه و سلم) خاصة، أو لأكثرهم؛ إذ لم يثبت استمرار وقوع الشفاء في زمننا غالبا، و إن وجد ذلك في الأكثر حمل على أنه أراد وصف غالب الحال، انتهى.
و قد جعله ابن التين احتمالا، و زاد عليه آخر أعجب منه، فقال: يحتمل أن يكون المراد نخلا خاصّا من المدينة لا يعرف الآن، و يحتمل: أن يكون ذلك خاصّا بزمانه (صلّى اللّه عليه و سلم) انتهى.
و هو مردود؛ لأن سوق الأحاديث و إيراد العلماء لها و إطباق الناس على التبرك بعجوة المدينة و تمرها يرد التخصيص بزمنه (صلّى اللّه عليه و سلم) مع أن الأصل عدمه، و لم تزل العجوة معروفة بالمدينة يأثرها الخلف عن السلف، يعلمها كبيرهم و صغيرهم علما لا يقبل التشكيك.
و قال الداودي: هي من أوسط التمر كما هو المشاهد اليوم. و قال غيره: هي من أجود تمر المدينة، و مراده أنها ليست من رديه. و قال ابن الأثير: العجوة ضرب من التمر أكبر من الصّيحاني يضرب إلى السواد، و هو مما غرسه النبي (صلّى اللّه عليه و سلم) بيده بالمدينة.
و ذكر هذا الأخير البزار أيضا، فلعل الأوداء [٢] التي كاتب سلمان الفارسي أهله عليها و غرسها (صلّى اللّه عليه و سلم) بيده الشريفة بالفقير أو غيره من العالية كانت عجوة، و العجوة [٣] توجد بالفقير
[١] الوجيئة: تمر يدق حتى يخرج نواه، ثم يبل بلبن أو سمن حتى يلزم بعضه بعضا، ثم يؤكل.
[٢] الأوداء: صغار الفسيل.
[٣] العجوة: ضرب من أجود التمر بالمدينة.