وفاء الوفاء بأخبار دار المصطفى - المنقري، نصر بن مزاحم - الصفحة ٥٨ - حراسة المدينة من الدجال و الطاعون
على الرحمة و الشهادة فقد ورد أن سببه أشياء تقع من الأمة كظهور بعض المعاصي، و قد روى أحمد بأسانيد حسان و صحاح عن شرحبيل بن حسنة و غيره «أنه- يعني الطاعون- رحمة ربكم، و دعوة نبيكم، و موت الصالحين قبلكم» و روى أحمد أيضا تفسير كونه دعوة نبيكم عن أبي قلابة بأنه (صلّى اللّه عليه و سلم) سأل ربه عز و جل أ لا يهلك أمته بستة، فأعطيها، و سأله أ لا يسلط عليهم عدوّا من غيرهم، فأعطيها، و سأله أ لا يلبسهم شيعا و يذيق بعضهم بأس بعض، فمنعه، فقال (صلّى اللّه عليه و سلم) في دعائه: فحمى إذا أو طاعونا» كرره ثلاثا؛ فقد تضمن الطاعون نوعا من المؤاخذة؛ لأنه (صلّى اللّه عليه و سلم) دعا به ليحصل كفاية إذاقة بعضهم بأس بعض، و يكون هلاكهم حينئذ بسبب لا يعصون به، بل يثابون؛ فحفظ الله تعالى بلد نبيه (صلّى اللّه عليه و سلم) من الطاعون المشتمل على الانتقام إكراما لنبيه (صلّى اللّه عليه و سلم) و جعل لهم الحمى المضعفة للأبدان عن إذاقة بعضهم بأس بعض و المطهرة لهم؛ فقوله (صلّى اللّه عليه و سلم) «فحمى إذا» أي: للموضع الذي لا يدخله الطاعون، بل عصم منه و هو جواره الشريف، و قوله «أو طاعونا» أي للموضع الذي لم يعصم منه، و هو سائر البلاد، هذا ما ظهر لي في فهم هذه الأحاديث، و هو يقتضي شرف الحمى الواقعة بالمدينة و فضلها؛ لأنها دعوة نبينا محمد (صلّى اللّه عليه و سلم) و رحمة ربنا أيضا؛ لأنها من لازم دعوة النبي (صلّى اللّه عليه و سلم) و لأنها جعلت في مقابلة الطاعون الذي هو رحمة لغيرهم؛ فتكون الحمى رحمة لهم؛ فهي غير حمى الوباء الذاهبة من المدينة، رابعها- ذكره الحافظ ابن حجر نقلا عن القرطبي- و هو أن المعنى لا يدخل إلى المدينة من الطاعون مثل الذي وقع في غيرها كطاعون عمواس [١]، قال الحافظ ابن حجر: و هو يقتضي أن الطاعون يدخلها في الجملة، و ليس كذلك؛ فقد جزم ابن قتيبة و تبعه جمع جم من آخرهم النووي بأن الطاعون لا يدخل المدينة أصلا، و لا مكة أيضا، لكن نقل جماعة أنه دخل مكة في الطاعون العام سنة تسع و أربعين و سبعمائة، بخلاف المدينة فلم يذكر أحد قط أنه دخلها أصلا، ثم ذكر الحافظ ابن حجر الحديث المتقدم المشتمل على ذكر مكة أيضا، ثم قال:
و على هذا فالذي نقل أنه وجد بمكة ليس كما ظن ناقله كونه طاعونا، بل وباء، و هو أعم من الطاعون، أو يجاب بجواب القرطبي المتقدم، قال: و لعله بنى جوابه على أن الطاعون ما ينشأ عن فساد الهوى فيقع به الموت الكثير، و ليس كذلك؛ ففي الصحيح قول أبي الأسود: قدمت المدينة و هم يموتون بها موتا ذريعا؛ فهذا وقع بالمدينة و هو وباء، و لكن الشأن في تسميته طاعونا، قال: و الحق أن المراد بالطاعون في هذه الأحاديث الذي ينشأ
[١] عمواس: كورة من فلسطين بالقرب من بيت المقدس.