وفاء الوفاء بأخبار دار المصطفى - المنقري، نصر بن مزاحم - الصفحة ١١٢ - مسير أبي حمزة إلى المدينة
مسير أبي حمزة إلى المدينة
قال خليفة بن خياط: سار أبو حمزة في أول سنة ثلاثين و مائة، يريد المدينة، و استخلف على مكة إبراهيم بن الصباح الحميري، و جعل على مقدمته فلح بن عقبة السعدي، و خرج أهل المدينة و التقوا بقديد يوم الخميس لتسع خلون من صفر سنة ثلاثين و مائة، و فلح في ثلاثين ألف فارس، فقال لهم: خلوا طريقنا فنأتي هؤلاء الذين بغوا علينا و جاروا في الحكم فإنا لا نريد قتالكم، فأبوا؛ فقاتلوهم فانهزم أهل المدينة، و جاءهم أبو حمزة فقال له علي بن الحصين: اتبع هؤلاء القوم، و أثخن على جريحهم، فإن لكل زمان حكما، و الإثخان في مثل هؤلاء أمثل، قال: ما أرى ذلك، و مضى أبو حمزة إلى المدينة فدخلها يوم الإثنين لثلاث عشر خلت من صفر، ففي يوم دخوله إياها- و الله أعلم- خلي مسجد النبي (صلّى اللّه عليه و سلم) من أن يجمع فيه، و أصيب من قريش يومئذ ثلاثمائة رجل، و من آل الزبير اثنا عشر رجلا، فما سمع الناس بواكي أوجع للقلوب من بواكي قديد، ما بقي بالمدينة أهل بيت إلا فيهم بكاء، و قالت نائحة تبكيهم:
ما للزمان و ما ليه * * * أفنى قديد رجاليه
فلأبكينّ سريرة * * * و لأبكين علانيه
قلت: و ذكر الذهبي عن خليفة بن خياط في خبر أبي حمزة هذا ما ملخصه: أن عبد الله بن يحيى الأعور الكندي المسمى طالب الحق- بعد أن ملك حضرموت و صنعاء- بعث إلى مكة أبا حمزة الخارجي الأباضي المذكور، فخاف عبد الواحد بن سليمان بن عبد الملك- و كان واليا على مكة و المدينة- و خذله أهل مكة، ففارقها في النفر الأول، و قصد المدينة، فغلب أبو حمزة على مكة، ثم سار منها بعد أن استخلف عليها، فلقي بقديد الجيش الذي أرسله عبد الواحد بن سليمان لقتاله، فظفر أبو حمزة، و سار إلى المدينة فدخلها، و قتل فيها جماعة منهم أربعون رجلا من بني عبد العزى، و جهز إليه مروان عسكرا، فلقي بوادي القرى فلحا، و هو على مقدمة أبي حمزة، فاقتتلوا، فقتل فلح و عامة أصحابه، ثم أدركوا أبا حمزة بمكة، فقتلوه في خلق من أصحابه، ثم ساروا لطالب الحق فقتلوه، انتهى ملخصا.
قلت: و لا يحتمل أن ما نقل عن الأخباريين في الخروج من المدينة إنما كان في هذه الكائنة أو قبل ذلك كله في كائنة بسر بن أرطأة، فإن القرطبي قال: و ذكر أبو عمرو الشيباني قال: لما وجه معاوية (رضي الله عنه) بسر بن أرطأة لقتل شيعة علي (رضي الله عنه)