وفاء الوفاء بأخبار دار المصطفى - المنقري، نصر بن مزاحم - الصفحة ١١١ - حرق مسلم بن عقبة و الخلاف فيه
شديد، و قذفت الكعبة بالمجانيق يوم السبت ثالث ربيع الأول، و أخذ رجل قبسا في رأس رمح فطارت به الريح فاحترق البيت، فجاءهم نعي يزيد بن معاوية إهلال ربيع الآخر، و كان بين الحرة و بين موته ثلاثة أشهر، و قال القرطبي: دون ثلاثة أشهر؛ لأنه توفي بالذبحة و ذات الجنب في نصف ربيع الأول، فلقد ذاب ذوب الرصاص، و اجترأ أهل المدينة و أهل الحجاز على أهل الشام، فذلوا حتى كان لا ينفرد منهم رجل إلا أخذ بلجام دابته فنكس عنها، فقال لهم بنو أمية: لا تبرحوا حتى تحملونا معكم إلى الشام، ففعلوا، و مضى ذلك الجيش حتى دخلوا الشام.
و كانت وقعة الحرة، و قتل الحسين، و رمي الكعبة بالمنجنيق من أشنع شيء جرى في أيام يزيد.
و قال عبد الرحمن بن سعيد بن زيد أحد العشرة (رضي الله عنهم):
فإن تقتلونا يوم حرّة واقم * * * فنحن على الإسلام أول من قتل
و نحن قتلناكم ببدر أذلة * * * و أبنا بأسلاب لنا منكم نفل
فإن ينج منها عائذ البيت سالما * * * فكلّ الذي قد نابنا منكم جلل [١]
يعني بعائذ البيت عبد الله بن الزبير.
و هذه الكائنة غير الإغزاء المذكور في حديث البيداء؛ و لهذا روى ابن شبة عن أبي المهزم عن أبي هريرة (رضي الله عنه) قال: يجيء جيش من قبل الشام حتى يدخل المدينة، فيقتلون المقاتلة، و يبقرون بطون النساء، و يقولون: الحبلى في البطن: اقتلوا صبابة الشر، فإذا علوا البيداء من ذي الحليفة خسف بهم فلا يدرك أسفلهم أعلاهم و لا أعلاهم أسفلهم، قال أبو المهزم: فلما جاء جيش ابن ذبحة قلنا: هم، فلم يكونوا هم.
قلت: و قد جاء في بعض الأخبار بيان أن ذلك الجيش جيش السفياني، يبعثه لقتال المهدي.
و قال يحيى بن سعيد: لم تترك الصلاة في هذا المسجد منذ كان رسول الله (صلّى اللّه عليه و سلم) إلا ثلاثة أيام: يوم قتل عثمان، و يوم الحرة، قال مالك: و نسيت الثالث، و في العتبية عن مالك أنه بلغه ذلك عن سعيد بن المسيب بمعناه، قال ابن رشد: و اليوم الثالث الذي ذكر مالك أنه نسيه، قال محمد بن عبد الحكم: هو يوم خرج به أبو حمزة الخارجي، و كان خروجه- فيما ذكروا- في دولة مروان بن محمد بن مروان بن الحكم آخر خلفاء بني أمية.
[١] الجلل: هيّن يسير. و- الشيء الكبير العظيم.