نفحات القرآن - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٩٩ - ٢- الاعجاز القرآني على صعيد المعارف الإلهيّة
ان نعود بقرّائنا الأعزاء إلى المجلدات السابقة.
وبالرغم من سيطرة فكرة الشرك بالله وعبادة الأصنام على تلك البيئة بحيث لا يجرؤ احد على النيل من هذه العقيدة بادنى لوم أو اعتراض، انبرى القرآن بقاطعية كاملة إلى ضرب تلك العقيدة الخرافية، فتارة ينقل ذلك على لسان إبراهيم الخليل عليه السلام فيقول: «قَالَ افَتَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَالَا يَنْفَعُكُمْ شَيْئاً وَلَا يَضُرُّكُمْ* افٍّ لَّكُم وَلِمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ افَلَا تَعْقِلُونَ». (الأنبياء/ ٦٦- ٦٧)
وتارة اخرى يقول في صدد قصة عجل السامريّ الذي أصبح مورداً لإغواء عدة من جهال بني اسرائيل واغترارهم به: «افَلَا يَرَوْنَ الَّا يَرْجِعُ الَيْهِمْ قَوْلًا وَلَا يَمْلِكُ لَهُمْ ضَرَّاً وَلَا نَفْعَاً». (طه/ ٨٩)
وبجملة مختصرة: إنّ القرآن يندِّد كثيراً بالشرك ويذم عبادة الأصنام بحيث إنّه يعفو ويصفح عن جميع الذنوب ما عدا الشرك، فيقول: «انَّ اللّهَ لَايَغْفِرُ انْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدِ افْتَرَى اثْمَاً عَظِيَماً». (النساء/ ٤٨)
إنّ هذا التنديد القاطع والحاسم بفكرة عبادة الأصنام يعدّ بحق أمراً فريداً من نوعه؛ لأنّ هذه الفكرة تعتبر سُنّة معروفة للأجداد، والثقافة الرائجة في جميع أنحاء تلك البيئة بحيث إنّ العدول عنها يُعد من عجائب الامور ومورداً لكل أنواع الذم والتقريع، أمّا نحن ففي الوقت الحاضر نلقي نظرة عفوية على هذه الآيات ونعتبرها أمراً عادياً بغض النظر عن أنّ تلك البيئة كانت تعيش ضمن ظروف وأوضاع خاصة تختلف عن أوضاعنا، هذا من جانب ومن جانب آخر عندما يشرع في بحث التوحيد، يعمد إلى طرح الدلائل الفطرية والمنطقية و (برهان النظام) و (برهان الصديقين) بشكل لا يتصور الإنسان ما هو أروع منه.
ويشير في بحث التوحيد الفطري إلى المسألة التي كانت تحدث في حياة كل أولئك الناس وبأشكال مختلفة فيقول: «فَاذَا رَكِبُوا فِى الفُلْكِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الّدِينَ فَلَمَّا نَجَّاهُمْ الَى البَرِّ اذَا هُمْ يُشْرِكُونَ». (العنكبوت/ ٦٥)
وبهذه الطريقة يبيّن استقرار نور التوحيد في أعماق وجودهم ووجدانهم، ويزيح النقاب