نفحات القرآن - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٣١٢ - الاجابة عن بعض الاسئلة
في قسم آخر من الآيات المذكورة هناك تعبيرات يعتبرها الكثير من العلماء دليلًا ساطعاً على مسألة الخاتمية. وإذا افترضنا عدم قبول دلالتها الصريحة. فلا أقل من أن تكون قرائن وشواهد على هذه المسألة:
نقرأ في أول آية من هذا القسم: «انَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِالذَّكرِ لَمَّا جَاءَهُم وَانَّهُ لَكِتَابٌ عَزِيزٌ* لَّا يَاتِيهِ البَاطِلُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِن خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِّن حَكِيمٍ حَمِيدٍ».
و «الباطل»: في هذه الآية معناه الشيء الذي يبطل أو ينسخ، وعليه فإنّ مثل هذا الكتاب سيكون خالداً وأبدياً، وهذا بنفسه دليل على خاتمية الدين الذي يعود له هذا الكتاب، كما هو دليل على عدم تحريف القرآن أيضاً.
وقد يقال: إنّ (الباطل) في اللغة لا يعني (المبطل) إذن كيف فسرتم الآية بهذا الشكل؟
فنقول: علاوة على أنّ الكثير من المفسرين ذكروا أنّ أحد معاني الباطل هنا هو المبطل [١] فأصولًا عندما يقول (لا يأتيه الباطل) فإنّ مفهومها أنّ الباطل لا يمكنه أن يعيقه أو يعطله خصوصاً وأنّه قال قبلها: (وأنّه لكتاب عزيز) التي تدل على بقائه وثباته.
وفي الآية التالية يقول: «تَبَارَكَ الَّذِى نَزَّلَ الفُرقَانَ عَلَى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلعَالَمِينَ نَذِيراً».
ولفظة (عالمين) التي تشمل كل سكان العالم بالرغم من عدم تقييدها بأي قيد فهي تعم أبناء كل الأعصار حتى نهاية الدنيا.
وهي ليست غير محدودة من ناحية المكان فحسب، بل وحتى من ناحية الزمان أيضاً، وتشمل حتى الآتين، ولهذا السبب اعتبرها الكثير من المفسرين دليلًا على عالمية الدين الإسلامي أولًا وعلى خلوده ثانياً [٢].
والنقطة الملفتة للنظر أيضاً أنّ كلمة (عالمين) اخذت من مادة (علم) التي تشمل كل
[١] مثل المرحوم الشيخ الطوسي في تفسير البيان؛ والطبرسي في تفسير مجمع البيان؛ والعلّامة الطباطبائي فيتفسير الميزان؛ والآلوسي في تفسير روح المعاني وكذلك بعض المفسرين الاخرين (ذيل الآية مورد البحث).
[٢] تفسير الكبير، ج ٢٤، ص ٤٥؛ وتفسير القرطبي، ج ٧، ص ٤٧١٨؛ وتفسير روح البيان، ج ٦، ص ١٨٨.