نفحات القرآن - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٢٤٧ - ٣- انشقاق القمر في التصور القرآني
الجواب:
إنّ الالتفات إلى الكلمة التي وردت في أقوال جمع من المفسرين الكبار توضح الجواب عن هذا الإشكال وهي: إنّ المعجزات على نوعين:
النوع الأول: هي المعجزات الضرورية لإثبات صدق دعوى النبي، وترغيب الناس في الإيمان، وتخويف المنكرين، وهي المعاجز المنطقية للذين ينشدون الحق والباحثين عن الحقيقة، بحيث يعبر القرآن الكريم في ذيل الآية المذكورة بقوله: «وَمَا نُرسِلُ بِالآيَاتِ الّا تَخْوِيفًا». (الاسراء/ ٥٩)
النوع الثاني من المعجزات: هي المعجزات التي تسمى ب «الاقتراحية»، أي المعجزات التي يطالب بها المتعلّلون لا لأجل سلوك سبيل الحق واليقين بصدق دعوى النبوة ومن ثم الإيمان واعتناق الإسلام، وإنّما بقصد تعجيز الطرف الآخر، فإن وجدوا به قدرة على ذلك اتهموه بالسحر.
والأنبياء كانوا يتجهون صوب القسم الأول ولا يستسلمون اطلاقاً لمقترحات المتعللين والمعاجز الاقتراحية.
يشير لحن الآيات ٩٠- ٩٣ من سورة الاسراء بشكل واضح إلى أنّ هذه الموضوعات العجيبة والغريبة والمتهافتة لمشركي العرب لم يكن منشأُها هو البحث عن الحقيقة، بل الغاية منها هي اختلاق الأعذار والتشكيك فينبوة نبي الإسلام وارساء دعائم الشرك والصنمية، ولذا لم يُمعِنوا النظر حتى في مفهوم كلامهم، فمن ضمن مطالبهم مثلًا أنّهم يطلبون معجزة من المعاجز التي تبيدهم «كنزول الأحجار السماوية على روؤسهم»، وتارة يطلبون معجزة كمعجزة (الصعود إلى السماء)، ثم ينفون ذلك مباشرة ويقولون: نحن لا نؤمن بذلك حتى تبعث لنا كتاباً من قبل اللَّه، وتارة يطلبون الامور المستحيلة كقولهم: أن تأتينا بالله والملائكة، والحال أنّ اللَّه ليس له مكان، وليس بجسم ولا جسماني.
ثم إذا كان الهدف هو التوصل إلى معرفة حقانية النبي فَلِمَ يطلبون ست معاجز مختلفة؟
ألا تكفي معجزة واحدة؟