نفحات القرآن - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ١٣٤ - ١٢- القرآن والغلاف الجوي للأرض أيضاً
ازدادت حدّة الضيق في تنفسه حتى يصل إلى الوقت الذي يغمى عليه لقلّة الاوكسجين.
إذن توجد هناك علاقة وثيقة بين ضيق النفس والصعود إلى السماء، ولم تتبلور هذه الحقيقة في ذهن أي شخص في ذلك العصر [١]. بيد أنّها قد تبلورت في اذهان الجميع في يومنا هذا، فقد سبق لنا أن سمعنا هذا الحديث من مضيّفي الطائرة عدة مرات أثناء سفرنا بها، بأنّ الهواء الموجود داخلها ينظم بجهاز خاص، فاذا حدث خلل فيه، فحينئذ ينبغي الاستفادة من نقاب الاوكسجين، لتستغل الطائرة سرعتها وتصل إلى الطبقات السفلى للجو الأكثر ضغطاً.
كما أنّ العلاقة بين هذا المعنى وبين تفسير الآية واضحة جلية.
وهي في الواقع تشبيه المعقول بالمحسوس، فقد شبّه الجمود الفكري والتعصب واللجاجة وقصر نظر الضالين المعاندين في اعتناقهم للإسلام، بضيق التنفس الناجم عن قلة حصول الاوكسجين بالنسبة للشخص الذي يصعد إلى السماء.
ونُنهي هذا البحث بمقولة للمراغي في تفسيره هذه الآية، إذ يقول: «سُبحانك ربّي نطق كتابك الكريم بقضية لم يتفهم سرها البشر، ولم يفقه معرفة كنهها إلّابعد أن مضى على نزولها نحو أربعة عشر قرناً، وتقدم فن الطيران، الآن علم الطيارون بالتجربة صدق ما جاء في كتابك، ودلّ على صحة ما ثبت في علم الطبيعة من اختلاف الضغط الجوي في مختلف طبقات الهواء، وقد عُلم الآن أنّ الطبقات العليا أقل كثافة من الطبقات التي هي أسفل منها، وأنّه كلما صعد الإنسان إلى طبقة أعلى شعر بالحاجة إلى الهواء وبضيق في التنفس نتيجة لقلة الهواء الذي يحتاج إليه، حتى لقد يحتاجون أحياناً إلى استعمال جهاز التنفس ليساعدهم على السير في تلك الطبقات، وهذه الآيات وأمثالها لم يستطع العلماء أن يفسروها تفسيراً جلياً لأنّهم لم يهتدوا لسرّها، وجاء الكشف الحديث وتقدُّم العلوم فأمكن شرح مغزاها وبيان المراد منها بحسب ما أثبته العلم، ومن هذا صح قولهم، «الدين والعلم
[١] يُصاب الإنسان أحياناً بضيق في النفس عند تسلق الجبال، هذا صحيح ومعروف منذ الأيّام السالفة، ويحصلنتيجة للجهد البدني الشديد ويشاهد في حالة الركض على الأرض المستوية أيضاً، غير أن القرآن يقول: إنّ ضيق النفس يسببه الصعود إلى السماء لا الجهد البدني الشديد.