نفحات القرآن - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٢٧٤ - ٥- ما هي الوسائل الكفيلة لبلوغ الهدف
ولما سمع أحد قادة الجيش يعلن شعاراً ثأرياً ويقول:
(اليوم يوم الملحمة، اليوم تستحل الحرمة، اليوم أذلّ اللَّه قريشاً) أمر فوراً بعزله وقال:
ليقولوا بدل هذا الشعار (القبيح وغير اللائق): (اليوم يومُ المرحمة ... اليوم أعزّ اللَّه قريشاً) [١].
وحتى حين وقف كبراء مكة صفاً ليروا حكم الرسول صلى الله عليه و آله بشأنهم (وكان الكثير من الناس يتوقعون أن يشدد الرسول ويقسو على هؤلاء الأعداء الحاقدين) التفت إليهم صلى الله عليه و آله وقال: «ما تظنون أنّي فاعلٌ بكم؟» قالوا: لا نظنُّ إلّاخيراً. فقال صلى الله عليه و آله: «أقول لكم ماقال يوسف لإخوته: «لَاتَثْرِيبَ عَلَيكُمُ اليَوْمَ يَغَفِرُ اللَّهُ لَكُم وَهُوَ أَرحَمُ الرَّاحِمِينَ». (يوسف/ ٩٢)
اذْهَبُوا فأنتم الطلقاء».
وعندما قتل (خالد بن الوليد) أسرى بني خزيمة بدون سبب ووصل الخبر إلى نبي الإسلام صلى الله عليه و آله. تألم بشدّة وقال مرّتين أو ثلاث: «اللّهم إنّي أبرءُ إليك ممّا صنع خالد»، ثم أمر علياً عليه السلام أن يذهب مع مبلغ من المال إلى تلك القبيلة فيعطيهم دِيَة قتلاهم ويعوض ممتلكاتهم التي تضررت بالمال وأن يسعى في جلب رضاهم [٢].
إنَّ هذه الامور لا يمكن مشاهدتها في حروب عالم اليوم، وحتى في مهد الحضارة الصناعية، فقد شهد العالم افضع مآسي الانتقام في نهاية الحرب العالمية الاولى والثانية، والجرائم التي لا تُعدّ للجيوش المنتصرة.
والآن كيف اتصف النبي صلى الله عليه و آله بكل هذا العفو والرحمة بين قوم نصف متوحشين؟ هذا السؤال يجب أن يجيب عليه العقلاء والحكماء.
كان ورعه واجتنابه عن الأساليب اللإنسانية إلى درجة أنّه صلى الله عليه و آله، يرفضها حتى ولو تهيأت مقدماتها وأسبابها بصورة طبيعية، ومهما بدت في الظاهر أنّها مؤيدة له، ففي حادثة وفاة إبراهيم ابن النبي صلى الله عليه و آله قيلَ: إنّ الشمس كسفت تزامنا مع هذه الواقعة، وقال بعض الناس: إنّها كرامة ومعجزة من قبل النبي صلى الله عليه و آله، وإنّ الشمس كسفت لوفاة إبراهيم.
[١] نقلت هذه القضية بعبارات مختلفة في بحار الأنوار، ج ٢١، ص ١٠٥ و ١٣٠؛ وفي حبيب السير: ج ١، ص ٢٨٨؛ وتفسير جامع البيان في ج ٢، ص ٣٣٤؛ وكامل ابن الأثير ج ٢، ص ٢٤٦.
[٢] حبيب السير، ج ١، ص ٣٨٩.