نفحات القرآن - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٢٥٨ - ١- ميحط دعوة النبي صلى الله عليه و آله والظروف السائدة هناك
إشارة معبرة عن الاوضاع في العصر الجاهلي الذي كانت الضلالة المبينة تسود أركانه، وأي ضلالة أوضح وأبين من عبادتهم لأصنام من الحجر والخشب صنعوها بأيديهم، والأسوأ من ذلك هو تلك الأوثان التي يعملونها من التمر ويعبدونها، ثم يأكلونها أيّام القحط والجفاف.
أو يدفنون بناتهم بأيديهم وهن أحياء، وهم يفخرون ويتباهون بعملهم هذا بدعوى أنّهم لا يدعون عرضهم وناموسهم يقع بأيدي الأجانب، أو يقتلون أبناء خوفاً من الإملاق.
وجاء في قوله تعالى: «وَاذا بُشِّرَ احَدُهُم بالانثَى ظَلَّ وَجهُهُ مُسوَدّاً وَهُوَ كَظِيمٌ* يَتَوارى مِن القَومِ مِنْ سُوءِ مَابُشِّرَ بِهِ ايُمسِكُهُ عَلَى هُونٍ امْ يَدُسُّهُ فِىِ التُّرابِ* الَا سَآءَ مَايَحكُمُونَ». (النحل/ ٥٨- ٥٩)
وأي ضلال أوضح من سيطرة أنواع الخرافات والأوهام عليهم، أو اعتبارهم الملائكة بنات اللَّه: «وَجَعَلُوا المَلَائِكَةَ الَّذِينَ هُمْ عِبادُ الرَّحمَنِ انَاثاً». (الزخرف/ ١٩)
وفي مكان آخر يقول: «وَيَجعَلُونَ لِلَّهِ البَنَاتِ سُبحَانَهُ». (النحل/ ٥٧)
وهناك آيات اخرى نظير ما أشرنا إليها.
أيّ ضلالٍ أوضح وأبين من أن تسيطر عليهم الحروب وسفك الدماء في كل أيّام السنة- باستثناء الأشهر الحرم-، وتوارث الأحقاد القبلية من الآباء للأبناء واستمرارها لسنوات وسنوات، كما يشير القرآن إلى ذلك بقوله: «وَاذكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيكُم اذْ كُنْتُم اعدَاءً فَالَّفَ بَينَ قُلُوبِكُم فَاصبَحْتُم بِنِعمَتِهِ اخوَاناً وَكُنتُم عَلَى شَفَا حُفرَةٍ مِنَ النَّارِ فَانقَذَكُم مِّنهَا». (آل عمران/ ١٠٣)
أيّ ضلالة أوضح من أن تكون حتى مراسم صلاتهم ودعائهم مضحكة ومقززة، فحيناً تطوف النساء حول بيت اللَّه الحرام وهن عاريات تماماً ويحتسبن ذلك عبادة، وحيناً آخر يقيمون صلاتهم مصحوبة بالتصفيق والصفير: «وَمَا كَانَ صَلَاتُهُم عِنْدَ البَيتِ الَّا مُكَاءً وَتَصدِيَةً». (الانفال/ ٣٥)
لقد كانت الخرافات والأوهام تخيم على مجتمعهم، بضروب شتى وكانت كل قبيلة تسعى إلى إبراز نفسها على أنّها أرفع من القبيلة الاخرى وربّما يؤدّي إلى ظهور الأحقاد