نفحات القرآن - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ١٠٩ - ٢- القرآن وخلقُ العالم
هذا التراب كان ممتزجاً مع الماء على هيئة طين.
ونقرأ أيضاً في قوله تعالى: «وَاللَّهُ خَلَقَ كُلَّ دَابَّةٍ مِّنْ مَّاءٍ». (النور/ ٤٥)
وللمفسرين أحاديث مطولة في صدد «الرتق» و «الفتق» الواردين في الآية الثانية واللذيْنِ هما في الأصل بمعنى «الإتصال» و « «الإنفصال».
اختار البعض المعنى المتقدم، وهو السماء والأرض واللتين كانتا على هيئة كُتل عظيمة من البخار والغاز الُمحترق، وتجزأت شيئاً فشيئاً على أثر الانفجارات الداخلية وحركتها حول نفسها، ومن ثم ظهرت الكواكب والنجوم، من جملتها المنظومة الشمسية.
ويرى البعض الآخر أنّ ذلك إشارة إلى الوحدة النوعية في مواد العالم، بحيث كانت متداخلة في بداية الأمر حيث ظهرت على هيئة مادة واحدة، لكنها انفصلت عن بعضها الآخر، وتشكلت مع مرور الزمان بتركيبات جديدة.
وذهب جمع آخر أيضاً إلى أنّ ذلك إشارة إلى عدم نزول المطر ونمو النباتات من الأرض، بمعنى أنّ السماء كانت في بداية الأمر متصلة مع بعضها الآخر، ولم يكن ينزل المطر، والأرض أيضاً كانت متصلة مع بعضها الآخر، فلم يكن للنبات وجود فيها، ثم بأمر من اللَّه تعالى انفجرت السماء ونزل المطر، وتفتحت الأرض فخرجت النباتات.
وقد أشارت إلى المعنى الأخير روايات متعددة من طريق أهل البيت عليهم السلام، وكذلك قسم من الروايات الواردة من طريق العامة [١]، في حين تضمنت بعض الروايات الاخرى الإشارة إلى المعنى الأول [٢]، وتبدو الإشارة إلى هذا الاتصال أيضاً في الخطبة الاولى من نهج البلاغة، وفي كل الاحوال ينسجم ظاهر الآية مع التفسير الأول، علاوة على عدم وجود مانع من الجمع بين التفاسير المتقدمة، فمن الممكن الجمع بين كل من المعاني الثلاثة في المفهوم الجامع للآية.
وممّا يسترعي الإنتباه ما ورد في قوله تعالى: «ءَانْتُمْ اشَدُّ خَلْقَاً امِ السَّمَاءُ بَنها ...
[١] راجع تفسير نور الثقلين، ج ٣، ص ٤٢٤، الأحاديث ٥٢، و ٥٣، و ٥٤، و ٥٥؛ وتفسير در المنثور، ج ٤، ص ٣١٧.
[٢] المصدر السابق.