الصراع بين الأمويين ومبادئ الاسلام - نوري جعفر - الصفحة ١٧٩
لقد مر بنا القول ان اسم الحجاج مقرون في العادة ـ عند كثير من الناس ـ بالشدة والقسوة المتناهيتين. حتى اصبح اسمه يضرب فيه المثل في اخذ الرعية بسياسة الشدة بإبشع صورها.
وقد يخيل لبعض الناس ان هذه الشدة تدل على الرجولة والشجاعة. غير اني ارى انها تدل على الجبن والتخاذل. لان الشجاعة إنما تظهر عند الرجل في مواقفه مع من هم في منزلته « من الحياء والسطوة والنفوذ او القوة الجسمية » أو مع من هم فوقه في ذلك.
أما ان يستعمل المرء ضروب القسوة والشدة مع من هم دونه ، في السطوة والنفوذ ، او مع العزل من الناس فأمر ان دل على شيء فإنما يدل على الخسة والجبن وضعة النفس ، خاصة إذا ما كانت مواقف ذلك الشخص ـ مع من هم أعلى منه ـ تنطوي على الجبن والتهافت.
وإلى القارئ موقف الحجاج مع عبد الملك بن مروان في قضيتين هامتين :
عندما اسرف الحجاج في قتل اسارى دير الجماجم وعلم بذلك عبد الملك بن مروان كتب اليه يزجره وذيل كتابه بالابيات التهديدية التالية :
|
إذا أنت لم تطلب امورا كرهتهـا |
وتطلب رضائي بالذي انت طالبه |
|
|
وتخشـى الذي يخشاه مثلي هاربا |
إلـى الله منـه ضيع الدير حالبه |
|
|
فإن ترمنـي غفلــة قرشيــة |
فيـا ربما قد غص بالماء شاربه |
|
|
وإن ترمنــي وثبــة امويـة |
فهذا وهــذا كـل ذا أنا صاحبه |
|
|
فال لا تلمني والحوادث جمــة |
فإنك مجـزي بمــا أنت كاسبه |
|
|
ولا تعد ما يأتيك مني وإن تعـد |
يقوم بها يوما عليك نوادبه [١] |
[١] المسعودي : « مروج الذهب ومعادن الجوهر » ٣ | ٧٤ ـ ٧٦.