الصراع بين الأمويين ومبادئ الاسلام - نوري جعفر - الصفحة ٥٨ - اتباعهم سياسة الشدة واللين
ودراستنا هذه تحتوي على طائفة كبيرة من تلك الأمثلة. ويدخل ضمن تلك الأساليب تصرف آخر توضحه الحادثة الطريفة التالية أوضح تمثيل.
« دخل اياس بن معاوية الشام وهو غلام. فقدم خصما ـ إلى باب القاضي ـ في أيام عبد الملك بن مروان. فقال له القاضي أما تستحي تخاصم ـ وأنت غلام ـ شيخا كبيرا؟
فقال الغلام : الحق أكبر منه. فقال القاضي اسكت ويحك !! فقال الغلام فمن ينطق بحجتي؟.
فقام القاضي ودخل على عبد الملك واخبره. فقال له عبد الملك : إقض حاجته واخرجه من الشام لكيلا يفسد علينا الناس [١] ».
« وخطب معاوية فقال له رجل كذبت. فنزل مغضبا. فدخل منزله ثم خرج عليهم تقطر لحيته ماء. فصعد المنبر فقال ايها الناس إن الغضب من الشيطان وأن الشيطان من النار. فإذا غضب أحدكم فليطفئه بالماء [٢].
وقد بدا معاوية ـ في هذا المثال ـ على جانب كبير من المرونة وضبط النفس. كما بدا الشخص الذي رماه بالكذب متثبتاً من قوله. ولو استطاع معاوية أن يثبت عكس ذلك لناقشه على الأقل أو لأمر به فنال ما يستحقه من عقاب لتطاوله على الخليفة.
وقد تجلت أيضاً براعة معاوية في الإلتواء ، وبرز دهاؤه « في التملص من المآزق الحرجة » في إشغاله السامعين بالتحدث عن وسائل إزالة الغضب بدلا من التحدث عن أصل المشكلة التي كان يتحدث عنها فرمي بالكذب من أجلها.
ومن أطرف ما عثرنا عليه أثناء البحث في هذا الجانب من جواب الموضوع
[١] ابن أبي الحديد ، « شرح نهج البلاغة » ٤ | ١٣٣.
[٢] ابن قتيبة ، « عيون الأخبار » ١ | ٢٩٠.