تاريخ الفقه الإسلامي وأدواره - السبحاني، الشيخ جعفر - الصفحة ٢٨٢ - المراكز الفقهية التي ازدهرت في هذا الدور
للاشتغال بما تفرّد به من تأسيس العلوم الشرعية ولا سيما المسائل الفقهية، فإنّ كتبه فيها هي المرجع لمن بعده غالباً، حتى أنّ كثيراً ما يذكر مثل المحقّق أو العلاّمة أو غيرهما فتاويه من دون نسبتها إليه، ثمّ يذكرون ما يقتضي التردّد أو المخالفة فيها، فيتوهّم التنافي بين الكلامين مع أنّ الوجه فيهما ما قلناه جزاه اللّه وإيّاهم عنّا خير الجزاء. [١]
والذي يدفعنا إلى اتّهام الفترة بالركود هو ما نجده في الكتب المؤلّفة في الدور الرابع من الشكوى من وصف فقهاء هذه الفترة بالمقلدة تارة وبالمتفقّهة أُخرى:
يقول ابن إدريس في مقدّمة السرائر: إنّي لمّا رأيت زهد أهل هذا العصر في علم الشريعة المحمدية والاَحكام الاِسلامية، وتثاقلهم طلبها، وعداوتهم لما يجهلون، وتضييعهم لما يعلمون، ورأيت ذا السن من أهل دهرنا هذا، لغلبة الغباوة عليه، وملكة الجهل لقياده، مضيِّعاً لما استودعته الاَيام، مقصِّراً في البحث عمّا يجب عليه علمه، حتى كأنّه ابن يومه ونتيج ساعته... ورأيت العلم عنانه في يد الامتهان، وميدانه قد عطل من الرهان، تداركت منه الذماء الباقي، وتلافيت نفساً بلغت التراقي. [٢]
ثمّ يقول: فإنّ الحقّ لا يعدو أربعة طرق؛ إمّا كتاب اللّه سبحانه، أو سنّة رسوله - صلى الله عليه وآله وسلم - المتواترة المتفق عليها، أو الاِجماع، أو دليل العقل. فإذا فقدت الثلاثة فالمعتمد في المسائل الشرعية عند المحقّقين الباحثين عن مأخذ الشريعة، التمسّكُ بدليل العقل فيها، فإنّها مبقاة عليه وموكولة إليه، فمن هذا
[١] التستري: مقابس الاَنوار:٥.
[٢] السرائر:٤١، المقدمة.