الوهّابيّة في الميزان - السبحاني، الشيخ جعفر - الصفحة ٢٠١ - التعريف الثالث للعبادة
و الآن... لو أنّ إنساناً اعتقد بأنّ اللّه سبحانه قد فوَّض أفعاله ـ من الإرزاق و الإحياء و غيرهما ـ إلى بعض مخلوقاته ـ كالملائكة و الأولياء ـ و أنّهم الذين يُديرون شؤون الكون و يدبّرون أُموره، و لا علاقة للّه سبحانه بذلك، و دَفَعه هذا الاعتقاد إلى الخضوع لهم، فلا شكٍّ أنّ خضوعه هذا عبادة، و أنّ عمله هذا شِرك باللّه سبحانه.
و بتعبير آخر: لو اعتقد بأنّ اللّه قد فوَّض صلاحيَّة تنفيذ هذه الأفعال إلى الملائكة و الأولياء وبقي سبحانه مجرَّداً من كلّ صلاحية، و الملائكة و الأولياء ينفّذون تلك الأفعال بالاستقلال و من دون إذنه سبحانه، فيكون هذا الإنسان ـ المعتقد هذا الاعتقاد ـ قد جعل للّه مِثلا و ندّاً، و لا شكّ أنّ هذا الاعتقاد هو الشِّرك بذاته، و أنّ التوسّل و الخضوع ـ النابعين من هذا الاعتقاد ـ هو عبادة، كما جاء في القرآن الكريم:
(وَ مِنَ النّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللّهِ أنداداً يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللّهِ...)[١].
إنّ أىَّ كائن و موجود لا يستطيع أن يكون مِثلا للّه و ندّاً، إلاّ إذا صار يتصرَّف في الكون بإرادته الشخصية و من دون إرادة اللّه تعالى، و ليس أحدٌ كذلك، بل إنّ كلّ كائن خاضعٌ لإرادة اللّه سبحانه ـ شاء أو أبى ـ و عليه فلا يكون ندّاً للّه فحسب بل يكون مطيعاً له يَتصرّف وفق إرادته سبحانه.
و الجدير بالذكر أنّ المشركين كانوا يعتقدون بأنّ أصنامهم المعبودة مستقلَّة في التصرُّف في هذا الكون و الشؤون الإلهية، و قد كان أضعف درجات الشرك ـ في
[١] البقرة: ١٦٥.