الوهّابيّة في الميزان - السبحاني، الشيخ جعفر - الصفحة ٢١٤ - كلامٌ للعلاّمة القضاعىّ المصرىّ
نطق بالشهادتين من أجل أنّه دليل عليه، لا لأنّ الأوّل بمجرده كفر و الثاني بمجرده إيمان.
فإن تعسّر عليك فهم هذا و هو ليس بعسير إن شاء اللّه تعالى، فانظر إلى نفسك فإنه قد يقضي عليك أدبك مع أبيك و احترامك له أن لا تسمح بالجلوس أو الاضطجاع بين يديه، فتقف أو تقعد ساعة أو فوقها، و لا يكون ذلك منك عبادة له، لماذا؟ لأنّه لم يقارن هذا الفعل منك اعتقاد شيء من خصائص الربوبية فيه. و تقف في الصلاة قدر الفاتحة و تجلس فيها قدر التشهد و هو قدر دقيقة أو دقيقتين فيكون ذلك منك عبادة لمن صلّيت له، و سرّ ذلك هو أنّ هذا الخضوع الممثّل في قيامك و قعودك يقارنه اعتقادك الربوبية لمن خضعت له عزّوجلّ. و تدعو رئيسك في عمل من الأعمال أو أميرك أن ينصرك على باغ عليك، أو يغيثك من أزمة نزلت بك و أنت معتقد فيه أنه لا يستقلّ بجلب نفع أو دفع ضرّ، ولكن اللّه جعله سبباً في مجرى العادة يقضي على يديه من ذلك ما يشاء فضلا منه سبحانه، فلا يكون ذلك منك عبادة لهذا المدعو و أنت على ما وصفنا.
فإن دعوته و أنت تعتقد فيه أنه مستقلّ بالنفع أو الضرّ أو نافذ المشيئة مع اللّه، لا محالة كنت له بذلك الدعاء عابداً، و بهذه العبادة أشركته مع اللّه عزّوجل، لأنّك قد اعتقدت فيه خصيصة من خصائص الربوبية، فإنّ الاستقلال بالجلب أو الدفع و نفوذ المشيئة لا محالة هو من خصائص الربوبية، و المشركون إنّما كفروا بسجودهم لأصنامهم و نحوه لاعتقادهم فيها الاستقلال بالنفع أو الضرّ و نفوذ مشيئتهم لا محالة مع اللّه تعالى، و لو على سبيل الشفاعة عنده، فإنّهم يعتبرونه الربّ الأكبر و لمعبوداتهم ربوبية دون ربوبيّته، و بمقتضى ما لهم من الربوبية وجب لهم نفوذ المشيئة معه لا محالة.