الوهّابيّة في الميزان - السبحاني، الشيخ جعفر - الصفحة ٢١٧ - كلامٌ للعلاّمة القضاعىّ المصرىّ
بدعته كأن لم يكن بينك و بينه نقاش ـ إلاّ من رحم اللّه ـ و قد رأينا ذلك كثيراً في كثير ممّن لقينا من أهل الأهواء ـ نسأل اللّه العافية بفضله ـ .
على أنّه لو سلّم أنّهم لم يعتقدوا لآلهتهم خلقاً و لا رزقاً و لا تدبيراً للأمر، فهم يعتقدون فيها غير ذلك من خصائص الإلوهية و هو وجوب نفوذ مشيئتها، فإنّهم يرون أنّ شفاعتها مقبولة لا تردّ و ليست متوقّفة على إذنه، تعالى عمّا يقول الجاهلون به علوّاً كبيراً. و لذلك قال اللّه تعالى في القرآن ردّاً على هذا الزعم: (...مَنْ ذَا الَّذي يَشفَعُ عِندَهُ إلاّ بِإذْنِهِ...)[١] .
قال القاضي ناصر الدين البيضاوي في تفسيرها: «بيان لكبرياء شأنه، و لأنّه لا أحد يساويه أو يدانيه يستقلّ بأن يدفع ما يريده شفاعة واستكانة فضلا أن يعارضه عناداً و مناصبة»، فانظر إلى قوله «يستقلّ بأن يدفع ما يريده شفاعة» تجده صريحاً في اعتقاد وجوب مشيئتها معه عزّوجلّ، و وجوب نفوذ المشيئة من خصائص الربوبية كما لا يخفى. و هذا النوع من الشفاعة هو الشفاعة الشركية و هي الّتي أبطلها القرآن، فإنّ اعتقادها كفر، كما قال تعالى: (أَمِ اتَّخَذوا مِن دُونِ اللّهِ شُفَعاءَ...)الآيتين.[٢]فانظر إلى قوله «من دون اللّه» و كما قال اللّه تعالى (قُلْ مَنْ ذَا الَّذي يَعْصِمُكُمْ مِنَ اللّهِ إِنْ أرادَ بِكُمْ سُوءاً أَوْ أرَادَ بِكُمْ رَحْمَةً...)[٣].
أمّا الشفاعة الّتي يعتقدها أهل التوحيد و جاء بها الكتاب و السنّة فهي بعيدة من هذا بُعد الإيمان عن الكفر و النور عن الظلمة، و هي دعاء الشافع للمشفوع فيه فيستجيب بفضله لمن شاء، وهو معنى الاستثناء في قوله تعالى (إلاّ بإذنه)
[١] البقرة: ٢٥٥.
[٢] الزمر: ٤٣ .
[٣] الأحزاب: ١٧.