الوهّابيّة في الميزان - السبحاني، الشيخ جعفر - الصفحة ٢٠٢ - التعريف الثالث للعبادة
العهد الجاهلي ـ هو الاعتقاد بتفويض التقنين و التشريع إلى الأحبار و الرهبان، كما قال تعالى:
(اتَّخَذُوا أحْبارَهُمْ وَ رُهْبانَهُمْ أرْباباً مِنْ دُونِ اللّهِ...)[١].
و كذلك كانوا يعتقدون بأنّ صلاحية الشفاعة و المغفرة ـ الّتي هي خاصّة باللّه وحده ـ قد فُوِّضتْ إلى أصنامهم المعبودة، فهي تتصرَّف بالاستقلال الكامل في تلك الصلاحيّات، ولهذا ترى الآيات القرآنية ـ الّتي تتحدّث عن الشفاعة ـ تؤكّد بأنّ الشفاعة لاتتحقّق إلاّ بإذن اللّه تعالى، كما في قوله سبحانه:
(...مَنْ ذَا الَّذي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إلاّ بِإِذْنِهِ...)[٢].
و لو كان المشركون يعتقدون بأنّ أصنامهم المعبودة تملك الشفاعة بإذن اللّه سبحانه، لما كنت ترى هذا النفي القرآني القاطع للشفاعة بدون إذن اللّه تعالى.
إنّ بعض حكماء اليونان كانوا قد نحتوا ـ في أفكارهم ـ آلهة متعدّدة لكلّ شأن من شؤون العالَم، فالمطر له إله و الزرع له إله والإنسان له إله و هكذا، و كانوا يزعمون أنّ التصرّف في شؤون الكون ـ الّذي هو خاصّ باللّه سبحانه ـ قد فُوِّض إلى هذه الآلهة.
و في العهد الجاهلي كان بعض العرب يعبدون الملائكة و النجوم الثابتة والمتحرّكة، ظنّاً منهم أنّ تدبير شؤون الكون و الإنسان قد فُوّض إليها، فهي تتصرّف بالاستقلال و الاختيار الكامل، و أنّ اللّه تعالى يعيش معزولا
[١] التوبة: ٣١. لاحظ في تفسير الآية مجمع البيان : ٥ _ ٦ / ٣٧ ، دار المعرفة ، بيروت .
[٢] البقرة: ٢٥٥.