الوهّابيّة في الميزان - السبحاني، الشيخ جعفر - الصفحة ٢٥٦ - ١ـ طلب الشفاعة هو طلب الدعاء بالضبط
١ـ طلب الشفاعة هو طلب الدعاء بالضبط
إنّ شفاعة النبي ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ و سائر الشفعاء الصالحين ليست سوى الدعاء إلى اللّه تعالى، إذ أنّهم ـ لمنزلتهم الوجيهة عند اللّه و كرامتهم عليه ـ يبتهلون إليه سبحانه بالدعاء و طلب المغفرة للمذنبين، و اللّه تعالى يستجيب دعاءهم فيشمل عباده العاصين برحمته و مغفرته و يغسل ذنوبهم و يكفّر سيّئاتهم.
إنّ طلب الدعاء من الأخ المؤمن هو أمرٌ مُسْتَحسن و لم يتردَّد في حُسنه أحدٌ من علماء الإسلام و المذاهب المتعدّدة ـ حتّى الوهّابيّة ـ فكيف بدعاء النبىّ و الأولياء الصالحين؟!
طبعاً...لا يمكن القول بأن حقيقة الشفاعة لاتتجاوز الدعاء في مواقف يوم القيامة، و لكن يمكن القول بأنّ من المعاني الواضحة للشفاعة هو الدعاء، و أنّ مَن يُخاطب أحد أولياء اللّه و يقول: «يا وَجيهَاً عِنْدَ اللّه إشْفَع لَنا عِنْدَ اللّه» لا يقصُد إلاّ هذا المعنى.
يروي نظام الدين النيشابوري في تفسير قوله تعالى:
(...مَنْ يَشْفَعْ شَفاعَةً سَيِّئةً يَكُنْ لَهُ كِفْلٌ مِنْها)[١].
يروي عن مقاتل أنّه قال: «الشَّفاعَةُ إلَى اللّهِ إنَّما هىَ الدَّعْوَةُ لِمُسْلِم».
و قد روي عن النبىّ ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ أنّ دعوة المرء المسلم لأخيه بظهر الغيب مستجابة عند رأسه ملك موكل كلّما دعا لأخيه بخير قال الملك الموكّل به آمين ولك بمثل.[٢]
إنّ ابن تيميّة هومن الذين يعتبرون طلب الدعاء من الإنسان الحىّ صحيحاً، و على هذا الأساس فانّ طلب الشفاعة لا يختصّ بالنبىّ و أولياء اللّه، بل يجوز ذلك من كلّ مؤمن يحظى بالوجاهة و المنزلة عنده سبحانه.
و الفخر الرازي هو أحد الذين يُفسّرون «الشفاعة» بالدعاء و التوسُّل إلى اللّه تعالى، فقد قال ـ في تفسير قوله سبحانه:
[١] النساء: ٨٥.
[٢] صحيح مسلم : ٨ / ٨٦ دار الفكر بيروت ؛ سنن ابن ماجه ٢ / ٩٦٧ .