الفكر الخالد في بيان العقائد - السبحاني، الشيخ جعفر - الصفحة ٢٦٩ - نظرية الشيخ المفيد
ويدلّ على صحّة ما ذكره المفيد هو أنّه سبحانه سمّى بعض الفرائض بالعقبات، فقد سمّى فك الرقبة أو الإطعام في يوم المسغبة عقبة، فقال سبحانه:
(فَلاَ اقْتَحَمَ الْعَقَبَةَ*وَما أَدْراكَ مَا الْعَقَبَةُ*فَكُّ رَقَبَة*أَوْ إِطْعامٌ في يَوْم ذي مَسْغَبَة*يَتيماً ذا مَقْرَبَة *أَوْ مِسْكِيناً ذا مَتْرَبَة).[١]
والّذي يلاحظ المنهج القرآني يرى أنّه يعتمد كثيراً على أُسلوب التمثيل والتشبيه لبيان وتفهيم المعارف العميقة والتعاليم العالية، ومن خلال هذا المنهج يسهل على الأذهان المتوسطة إدراك وفهم تلك المفاهيم العميقة والمفاهيم العالية.
وإنّ بحث ودراسة هذه الآيات التمثيلية خارج عن مجال بحثنا هنا، وهو بحاجة إلى بحث مستقل.
وإنّ الآية المذكورة هي إحدى الآيات التمثيلية التي وردت في القرآن الكريم، حيث تشبّه لنا الحقائق غير المحسوسة بالأُمور المحسوسة، إذ انّ الجميع على علم بالجبال وقممها والسلاسل صعبة العبور ويدركون شدّة الصعاب التي تواجه الإنسان في محاولة العبور منها واجتيازها للوصول إلى الأهداف والمقاصد الدنيوية، ومن هذا المنطلق يؤكّد القرآن الكريم على حقيقة أنّ نيل المقاصد الأُخروية السامية مقرون باجتياز مجموعة من العقبات وتحمّل المشاكل والمحن، وانّ الوصول إلى الهدف متوقّف على الالتزام بالقوانين والأحكام الإلهية، وبما أنّ رعاية الأحكام الإلهية في الحقيقة تتصادم وتتضاد مع الميول والشهوات النفسية، ولذلك يكون العبور منها يشبه إلى حدّ كبير العبور واجتياز العقبات الطبيعية من الجبال والأنهار و...، ولذلك فالإنسان الذي يوفّق في الحياة الدنيا لعبور العقبات من خلال الالتزام بالقوانين الإلهية والأحكام والدساتير الشرعية بصورة كاملة،
[١] البلد:١١ـ ١٦.