الفكر الخالد في بيان العقائد - السبحاني، الشيخ جعفر - الصفحة ٢٠٧ - شبهة الآكل والمأكول والعدل الإلهي
ومن الواضح هنا أنّ محور الإشكال مبني على مسألة الثواب والعقاب والعدل الإلهي، والحال أنّ الإشكال في الصورة الأُولى مبني على عدم وفاء المادة لحشر كلّ إنسان على النحو الأكمل.
ويمكن الإجابة عن هذا الإشكال المذكور بوجهين:
الوجه الأوّل: إذا تحوّل عضو من بدن المؤمن وأصبح جزءاً من بدن الإنسان الكافر، فحينئذ ـ و بلا ريب ـ يكون تعذيبه تعذيباً للكافر لا للمؤمن، لأنّ هذا العضو انقطعت صلته بالمأكول واندكّ في الآكل على نحو صار جزءاً منه، فتعذيبه أو تنعيمه يرجع إلى الآكل لا إلى المأكول، وهذا نظير زرع الأعضاء الرائج في الطب الحديث، فإنّ الكلية مثلاً إذا أُخذت من بدن شخص وزرعت في بدن شخص آخر بنحو التحمت مع سائر الأعضاء فتعذيبها وتنعيمها يرجع إلى البدن المنقولة له لا البدن الأوّل، وكذلك الأمر في مسألة الآكل والمأكول.
الوجه الثاني: إنّ الشبهة نابعة من التفكير المادي الذي يحصر الإنسان في اللحم والجلد والعظام والمواد الطبيعية لا غير، مع أنّ واقع الإنسان وحقيقته أعمق من ذلك وهي روحه ونفسه، فإذا صار عضو من الإنسان جزءاً من إنسان آخر انقطعت صلة الروح عن الجزء المقطوع، فلا يكون مدبّراً للنفس، فتكون الآلام واللّذات منصبّة على الآكل لا على المأكول وعلى المنقول له لا على المنقول منه.
وفي الختام نؤكّد انّ مركز الآلام و اللّذات هو الروح والنفس الإنسانية، وانّ البدن لا يتجاوز عن كونه وسيلة لإدراك الآلام واللّذات الجسدية لا أكثر، والمفروض انّ هذا العضو لا علاقة له بالبدن السابق ليؤثر في نعيمه أو عذابه.[١]
[١] منشور جاويد:٩/١٥٠ـ ١٥٦.