الفكر الخالد في بيان العقائد - السبحاني، الشيخ جعفر - الصفحة ٣٨٧ - كون المعاد تجلّياً للعدل الإلهي
المعاد من الأُمور الممكنة التي ينبغي السؤال عن علّتها ولذلك قال: ما هي الغاية من وراء المعاد؟ ولكنّه لو التفت إلى علل المعاد التي تقتضي كونه أمراً ضرورياً، فحينئذ تتجلّى له العلّة الغائية للمعاد والتي تكمن فيه، والجدير بالذكر أنّ كون المعاد تجلّياً للعدل الإلهي هو أحد علل وأسباب ضرورية المعاد حيث يوجد إلى جانبه علل أُخرى كثيرة.
ثانياً: انّ هذا الإشكال انّما يرد على بعض العقوبات والمثوبات التي تكتسب صفة اعتبارية جعلية، أي العقوبات التي لا تكون من لوازم وجود الإنسان، وإنّما تفاض عليه من السماء أو يعاقب عليها كذلك من السماء.
ولكن لابدّ من الالتفات إلى أنّه ليس كلّ العقوبات والمثوبات ذات صفة اعتبارية وجعلية، بل البعض منها فقط من هذا القبيل، وأمّا البعض الآخر فهو من لوازم وجود الإنسان، بمعنى أنّ الإنسان وبسبب قيامه بسلسلة من الأعمال الحسنة أو السيّئة في هذا العالم، تخلق فيه مجموعة من الملكات التي تكون سبباً لتقوّم شخصيته وتحقيقها، وحين تقوم الساعة يحشر هذا الإنسان بتلك الملكات والصفات، وتلازمه تلك الصفات ولا يمكنه أن يتخلّص منها، فتكون سبباً لسعادته وفرحه أو سبباً لعذابه وشقائه.
فالإنسان المذنب وبسبب انطماسه في الشهوات يمتلك صفات وملكات خاصة تخلق له ـ و بصورة قهرية ـ سلسلة من الصور الخبيثة والمؤذية، وكذلك الإنسان المؤمن والمحسن يمتلك سلسلة من الملكات الجميلة التي تخلق له صوراً بهيّة تلازمه في ذلك العالم، فالصنف الأوّل يتأذى ويتألّم بعمله، والإنسان المؤمن يتنعّم ويلتذ بنفس أعماله أيضاً.
ومن هنا تبيّن انّ هذا الجواب يعتمد على نكتة مهمة، وهي أنّ طائفة من الآلام واللّذات وليدة نفس الإنسان المبعوث والتي تناسب ذلك العالم.