تاريخ مدينة دمشق - ابن عساكر - الصفحة ٣٤٧ - ١٠٠٢٩ هانئ بن عروة بن فضفاض ويقال ابن عروة بن نمران ـ بن عمرو بن قعاس ابن عبد يغوث الغطيفي المرادي الكوفي
فبايعني منهم ـ إلى أن كتبت إليك ـ ثمانية عشر ألفا ، فعجّل القدوم ، فإنه ليس دونها مانع. فلما أتاه كتاب مسلم أغذّ السير حتى انتهى إلى زبالة [١] ، فجاءت رسل أهل الكوفة إليه بديوان فيه أسماء مائة ألف ، وكان النعمان بن بشير الأنصاري على الكوفة في آخر خلافة معاوية فهلك ، وهو عليها [٢] ، فخاف يزيد ألا يقدم النعمان على الحسين ، فكتب إلى عبيد الله بن زياد بن أبي سفيان وهو على البصرة فضم إليه الكوفة ، وكتب إليه بإقبال الحسين إليها ، فإن كان لك جناحان فطر حتى تسبق إليها.
فأقبل عبيد الله بن زياد سريعا ، متعمما ، متنكرا حتى دخل سوق الكوفة. فلما رآه أهل السوق خرجوا يشتدون بين يديه ، وهم يظنون أنه حسين ، وذلك أنهم كانوا يتوقعونه ، فجعلوا يقولون لعبيد الله بن زياد : يا ابن رسول الله ، الحمد لله الذي أراناك ويقبلون يده ورجله ، فقال عبيد الله : لشد ما فسد هؤلاء [٣] ، ثم دخل المسجد ، وصلى ركعتين ، وصعد المنبر وكشف وجهه. فلما رآه الناس مال بعضهم على بعض وأقشعوا [٤] عنه. وبنى عبيد الله بن زياد بأهله أم نافع بنت عمارة بن عقبة بن أبي معيط ، وأتي في تلك الليلة برسول للحسين أرسله إلى مسلم ابن عقيل يقال له عبد الله بن بقطر [٥] فقتله ، وكان قدم مع عبيد الله من البصرة شريك بن الأعور الحارثي ، وكان شيعة لعلي فنزل أيضا على هانئ بن عروة ، فاشتكى شريك ، فكان عبيد الله يعوده في منزل هانئ ، ومسلم بن عقيل هناك لا يعلم به ، فهيئوا لعبيد الله ثلاثين رجلا يقتلونه إذا دخل عليهم ، وأقبل عبيد الله ، فدخل على شريك يسأل به ، فجعل شريك يقول [٦] :
[١] زبالة منزل معروف بطريق مكة من الكوفة ، وهي قرية عامرة (معجم البلدان).
[٢] كذا والذي في أنساب الأشراف ٣ / ٣٣٤ أن النعمان بن بشير كان عامل يزيد بن معاوية على الكوفة ، وكان رجلا حليما يحب العافية ، فلما بلغه خبر قدوم مسلم خطب الناس فدعاهم إلى التمسك بالطاعة والاستقامة ونهاهم عن الفرقة والفتنة ، وقال : والله لا أقاتل إلا من قاتلني ، ولا آخذ أحدا بظنة وقرف وإحنة. وانظر الفتوح لابن الأعثم ٥ / ٥٩ وتاريخ الطبري ٣ / ٢٧٥.
[٣] العبارة في أنساب الأشراف : فساء ابن زياد تباشير الناس بالحسين وغمّه.
[٤] أقشع القوم : تفرقوا.
[٥] الذي في الفتوح لابن الأعثم ٥ / ٧٧ عبد الله بن يقطين مولى لبني هاشم ، وذكر أنه رسول مسلم بن عقيل إلى الحسين بن علي (رض) وأنه كان يحمل كتاب مسلم يستعجل فيه الحسين بعد أن يبلغه فيه أن نيفا وعشرين ألفا منهم قد بايعوه.
[٦] تاريخ الطبري ٣ / ٢٨٤.