تاريخ مدينة دمشق - ابن عساكر - الصفحة ٣١٠ - ١٠٠١٣ هارون الرشيد بن محمد المهدي بن عبد الله المنصور ابن محمد بن علي ابن عبد الله بن العباس أبو جعفر ـ ويقال أبو محمد ـ أمير المؤمنين
أنام الله عين أمير المؤمنين؟ قال : فكرت بالعشق ممّ هو؟ فلم أقف عليه ، فصفه لي حتى أخاله جسما. قال الأصمعي : لا والله ما كان عندي قبل ذلك منه شيء ، فأطرقت مليا ثم قلت : نعم يا سيدي ، إذا توافقت الأخلاق المشاكلة ، وتمازجت الأرواح المتشابهة ألفيت لمح نور ساطع يستضيء به العقل ، وتنير لإشراقه طباع الجناة ، ويتصور من ذلك النور خلق في [١] النفس منصبا نحو [جواهرها][٢] يسمى العشق. فقال : أحسنت والله ، يا غلام ، أعطه ، وأعطه ، وأعطه ، فأعطيت ثلاثين ألف درهم.
قال إسحاق بن إبراهيم الموصلي [٣] :
دخلت على أمير المؤمنين الرشيد يوما ، فقال : أنشدني من شعرك ، فأنشدته :
| وآمرة بالبخل قلت لها اقصري | فذلك شيء ما إليه سبيل | |
| أرس الناس خلّان الجواد [٤] ولا أرى | بخيلا له في العالمين [٥] خليل | |
| ومن خير حالات الفتى لو علمته | إذا نال خيرا أن يكون ينيل | |
| عطائي عطاء المكثرين تكرّما [٦] | ومالي كما قد تعلمين قليل | |
| وإني رأيت البخل يزري بأهله | ويحقر يوما أن يقال بخيل [٧] | |
| وكيف أخاف الفقر أو أحرم الغنى | ورأي أمير المؤمنين جميل؟ |
فقال : لا كيف ، إن شاء الله ، يا فضل ، أعطه مائة ألف درهم ، لله در أبيات تأتينا بها ، ما أحسن فصولها ، وأثبت أصولها [٨] ، فقلت : يا أمير المؤمنين ، كلامك أجود من شعري ، قال :
[١] استدركت اللفظة عن هامش الأصل.
[٢] بياض بالأصل ، واستدركت اللفظة عن مختصر ابن منظور المطبوع وهي فيه مستدركة أيضا.
[٣] الخبر والأبيات في تاريخ بغداد ١٤ / ١٠ ـ ١١ من طريق التنوخي والجوهري قالا : أخبرنا محمد بن عمران المرزباني حدثنا علي بن سليمان الأخفش قال قال محمد بن حبيب حدثنا أبو عكرمة عامر بن عمران الضبي أخبرنا إسحاق بن إبراهيم الموصلي ، وذكره والأبيات في تاريخ الخلفاء ص ٣٥٢ والخبر والأبيات في الأغاني ٥ / ٣٢٢ وآمالي القالي ١ / ٣١.
[٤] الأغاني : الكرام.
[٥] الأغاني : حتى الممات ، بدلا من في العالمين.
[٦] صدره في الأغاني : فعالي فعال المكثرين تجملا.
[٧] عجزه في الأغاني : فأكرمت نفسي أن يقال بخيل.
[٨] في الأغاني : وأقل فضولها.