تاريخ مدينة دمشق - ابن عساكر - الصفحة ٣١٦ - ١٠٠١٣ هارون الرشيد بن محمد المهدي بن عبد الله المنصور ابن محمد بن علي ابن عبد الله بن العباس أبو جعفر ـ ويقال أبو محمد ـ أمير المؤمنين
أهديت إلى الرشيد جارية في غاية الجمال والكمال ، فخلا بها أياما [١] ، وأخرج كل قينة من داره ، واصطبح يوما ، فكان من حضر من جواريه للغناء والخدمة في الشراب وغيره زهاء ألفي جارية في أحسن زي ، من كل نوع من أنواع الثياب والجوهر ، واتصل الخبر بأم جعفر [٢] فغلظ عليها ذلك ، فأرسلت إلى عليّة [٣] تشكو إليها ، فأرسلت إليها عليّة : لا يهولنك هذا ، فو الله لأردنه [إليك][٤] ، وأنا أعمل شعرا ، وأصوغ فيه لحنا ، وأطرحه على جواريّ ، فلا تدعي عندك جارية إلا بعثت بها إلي ، وألبسيهن فاخر الثياب والحلي ليأخذن الصوت مع جواري ، ففعلت أم جعفر ما أمرتها. فلما جاء وقت العصر لم يشعر الرشيد إلا وعليّة قد خرجت عليه من حجرتها ، وأم جعفر قد خرجت من حجرتها معهما [٥] زهاء ألفي جارية من جواريهما [٦] وسائر جواري القصر ، وكلهن في لحن واحد هزج صنعته عليّة :
| منفصل عني وما | قلبي عنه منفصل | |
| يا قاطعي اليوم لمن | نويت بعدي أن تصل |
فطرب الرشيد ، وقام على رجليه حتى استقبل أم جعفر وعلية ، وهو على غاية السرور ، وقال : لم أر كاليوم قط ، ثم قال : يا مسرور ، لا يبقينّ في بيت المال درهم [٧] إلا نثرته ، فكان مبلغ ما نثر يومئذ ست آلاف ألف درهم ، وما سمع بمثل ذلك اليوم قط.
دخلت أعرابية على هارون الرشيد ، فأخرج إليها ماردة [٨] وكانت ذات جمال وشكل ، وكان الرشيد يحبها فأنشدته الأعرابية أشعارا تمدحه ببعضها ، وأنشدها الرشيد لنفسه في ماردة :
| وتنال منك بحدّ مقلتها | ما لا ينال بحده النصل |
[١] الأغاني : فخلا معها يوما.
[٢] يعني زبيدة بنت جعفر بن أبي جعفر المنصور ، زوجته ، وأم ابنه الأمين.
[٣] يعني علية بنت المهدي ، أخت هارون الرشيد ، أمها أم ولد ، مغنية ، وكانت علية من أحسن الناس وأظرفهم ، تقول الشعر الجيد وتصوغ فيه الألحان الحسنة. انظر أخبارها في الأغاني ١٠ / ١٦٢.
[٤] زيادة لازمة للإيضاح عن الأغاني.
[٥] في الأغاني : معها.
[٦] الأغاني : جواريها.
[٧] في الأغاني : لا تبقين في بيت المال درهما.
[٨] ماردة جارية ، قيل إنها أم المعتصم ، أهدته إياها أم جعفر انظر الأغاني ١٨ / ٦٧ و ٢٢ / ٤٦.