تاريخ مدينة دمشق - ابن عساكر - الصفحة ٣٣١ - ١٠٠١٤ هارون الواثق بن محمد المعتصم بن هارون الرشيد ابن محمد المهدي بن عبد الله المنصور أبو جعفر ، وقيل أبو القاسم
حدث محمد أمير البصرة قال [١] :
كنت أحد من مرّض الواثق ، لما مات [٢] ، فكنت واقفا بين يديه مع جماعة إذ لحقته غشية ، فما شككنا أنه مات فقال بعضنا لبعض : تقدموا ، فاعرفوا خبره ، فما جسر أحد منهم يتقدم ، فتقدمت أنا. فلما صرت عند رأسه ، وأردت أن أضع يدي على أنفه أختبر [٣] نفسه لحقته إفاقة ، ففتح عينيه ، فكدت أن أموت فزعا من أن يراني مشيت في مجلسه إلى غير رتبتي ، فرجعت إلى خلف ، وتعلقت قبيعة سيفي بعتبة المجلس ، وعثرت به ، فاتكأت عليه ، فاندق سيفي ، وكاد أن يدخل في لحمي ويجرحني ، فسلمت وخرجت : فاستدعيت سيفا ومنطقة فلبستها [٤] ، وجئت [حتى][٥] وقفت في مرتبتي ساعة. فتلف الواثق بلا شك ، فتقدمت ، فشددت لحييه ، وغمّضته ، وسجّيته ، ووجهته إلى القبلة ، وجاء الفراشون فأخذوا ما تحته في المجلس ليردوه إلى الخزائن ، لأن جميعه مثبت عليهم ، وترك وحده في البيت ، وقال لي ابن أبي دواد القاضي : إنا نريد أن نتشاغل بعقد البيعة ، ولا بد أن يكون أحدنا يحفظ الميت ، فكن أنت ذلك الرجل ، وكنت من أخصهم به [في حياته][٦] لأنه أحبني حتى لقبني الواثقي ، باسمه ، فحزنت عليه ، فرددت باب المجلس ، وجلست في الصحن عند الباب أحفظه. وكان المجلس في بستان عظيم ، فحسست بعد ساعة في البيت بحركة أفزعتني ، فدخلت أنظر ما هي؟ فإذا بجرذون [٧] من دواب البستان قد جاء حتى استلّ عين الواثق فأكلها ، فقلت : لا إله إلا الله ، هذه العين التي فتحها من ساعة ـ فاندق سيفي هيبة لها ـ صارت طعمة لدابة ضعيفة ، وجاءوا فغسلوه ، فسألني ابن أبي دواد عن عينه فأخبرته.
وكان الواثق أبيض إلى الصفرة ، جسيما ، حسن الوجه ، جميلا ، في عينه نكتة بياض [٨].
[١] الخبر رواه أبو بكر الخطيب في تاريخ بغداد ١٤ / ١٩ من طريق التنوخي قال أخبرني أبي قال حدثني الحسين بن الحسن بن أحمد بن محمد الواثقي قال حدثني أبي أحمد بن محمد أمير البصرة قال حدثني أبي ، وذكره ومختصرا في البداية والنهاية ١٠ / ٣٤١ وسير الأعلام ١٠ / ٣١٣ والكامل لابن الأثير ٧ / ٣٠.
[٢] في تاريخ بغداد : في علته التي مات فيها.
[٣] في تاريخ بغداد : اعتبر نفسه.
[٤] في الأصل : فلبسته ، والمثبت عن تاريخ بغداد.
[٥] زيدت عن تاريخ بغداد.
[٦] زيادة عن تاريخ بغداد.
[٧] زيد في تاريخ بغداد ، والجرذون دابة أكبر من اليربوع قليلا.
[٨] تاريخ بغداد ١٤ / ٢١ وسير الأعلام ١٠ / ٣١١ وفوات الوفيات ٤ / ٢٢٨ وتاريخ الخلفاء ص ٤٠٢.