تاريخ مدينة دمشق - ابن عساكر - الصفحة ٣١٩ - ١٠٠١٣ هارون الرشيد بن محمد المهدي بن عبد الله المنصور ابن محمد بن علي ابن عبد الله بن العباس أبو جعفر ـ ويقال أبو محمد ـ أمير المؤمنين
فيهم واحد مجنون سأل ما أجل مجلس أمير المؤمنين عن التفوه به فيه ، فقال : قل ولا تجزع ، فقال : قال : كذا وكذا ، قال : قل له : بعد ثلاث أحضر لينجز لك ما سألت ، وأنت تتولى الاستئذان له ، ودعا بخادم ، وقال : امض إلى فلانة ، وقل لها : حضر رجل ، وذكر كذا وكذا ، وأجبناه إلى ما سأل ، فكوني على أهبة ، ثم أدى الفضل الرسالة إليه ، فانصرف وحضر في اليوم الثالث ، وعرف الرشيد خبره ، فقال : يلقى له بحيث أرى كرسي فضة ، وللجارية كرسي ذهب ، وتخرج إليه ، ويحضر ثلاثة أرطال ، فجلس الفتى والجارية بإزائه ، فحدثها ، والرشيد يراهما ، فقال للخادم : لم تدخل لتشتو وتصيف ، فأخذ رطلا ، وخرّ ساجدا وقال : إذا شئت أن تغني فغني [١] :
| خليلي عوجا بارك الله فيكما [٢] | وإن لم تكن هند بأرضكما قصدا | |
| وقولا لها ليس الضلال أجازنا | ولكننا جزنا لنلقاكم عمدا | |
| غدا يكثر الباكون منا ومنكم | وتزداد داري من دياركم بعدا |
فغنته ، وشرب الرطل ، وحادثها ساعة ، فاستحثه الخادم ، فأخذ الرطل بيده ، وقال : غني جعلت فداك :
| تكلّم منا في الوجوه عيوننا | فنحن سكوت والهوى يتكلم | |
| ونغضب أحيانا ونرضى بطرفنا | وذلك فيما بيننا ليس يعلم |
فغنته ، وشرب الرطل الثاني ، وحادثته ساعة ، فاستعجله الخادم ، فخرّ ساجدا يبكي ، وأخذ الرطل بيده ، واستودعها الله ، وقام على رجليه ، ودموعه تستبق استباق المطر ، وقال : إذا شئت غني :
| أحسن ما كنا تفرقنا | وخاننا الدهر وما خنّا | |
| فليت ذا الدهر لنا مرة | عاد لنا يوما كما كنّا |
فغنته الصوت ، فقلب الفتى طرفه ، فبصر بدرجة في الصحن ، فأمها ، وتبعه الخدم ، ليهدوه الطريق ، ففاتهم ، وصعد الدرجة وألقى نفسه إلى الأرض على رأسه ، فخرّ ميتا ، فقال الرشيد : عجّل الفتى ، ولو لم يعجل لوهبتها له.
[١] الأبيات الثلاثة في البداية والنهاية ١٠ / ٢٣٩ والأغاني ٢٢ / ٢٤٣ وقد نسبها لعبد الله بن العجلان النهدي الأول والثاني من أربعة أبيات.
[٢] صدره في الأغاني :
ومرّا عليها بارك الله فيكما