تاريخ مدينة دمشق - ابن عساكر - الصفحة ٣٠١ - ١٠٠١٣ هارون الرشيد بن محمد المهدي بن عبد الله المنصور ابن محمد بن علي ابن عبد الله بن العباس أبو جعفر ـ ويقال أبو محمد ـ أمير المؤمنين
قال : فأحب أن تهب لي ذنبه ، قال : أفعل أيها الأمير ، اردد الرجل إلى الحبس ، قال : نعم ، بالصغر له والقماء [١] ، فوجّه إلى الرجل فحبسه ، وأطلق حمادا ، وكتب بذلك صاحب الخبر إلى الرشيد [٢] ، فكتب إلى سوار يحمده على ما صنع ، وكتب إلى محمد بن سليمان كتابا غليظا يذكر فيه حمادا ويقول : الرافضي ابن الرافضي ، والله لو لا أن الوعيد أمام العقوبة ما أدبته إلا بالسيف ليكون عظة لغيره ، ونكالا ، يفتات [٣] على قاضي المسلمين في رأيه ، ويركب هواه لموضعه منك ، ويتعرض [٤] في الأحكام استهانة بأمر الله وإقداما على أمير المؤمنين؟! وما ذلك إلا بك ، وبما أرخيت من رسنه. تالله لئن عاد إلى مثلها ليجدني أغضب لدين الله ، وأنتقم من أعدائه لأوليائه.
كان الرشيد [٥] يقول : أنا من أهل بيت عظمت رزيتهم ، وحسنت بقيتهم ، رزئنا [٦] رسول الله ٦ وبقيت فينا خلافة الله عزوجل.
بينما [٧] الرشيد هارون يطوف بالبيت إذ عرض له رجل فقال : يا أمير المؤمنين ، إني أريد أن أكلمك بكلام فيه غلظة فاحتمله لي ، فقال : لا ، ولا نعمة عين ولا كرامة ، قد بعث الله من هو خير منك إلى من هو شرّ مني فأمر أن يقول له قولا لينا.
قال منصور بن عمار [٨] :
ما رأيت أغزر دمعا عند الذكر من ثلاثة : فضيل بن عياض ، وأبو عبد الرحمن الزاهد [٩] ، وهارون الرشيد.
[١] القماء : الذل.
[٢] في أخبار القضاة : إلى : المهدي.
[٣] يفتات من الافتئات وهو السبق إلى شيء دون ائتمار من يؤتمر يقال بالهمز وبغير الهمز.
[٤] في أخبار القضاة : ويعرّض.
[٥] الخبر رواه أبو بكر الخطيب في تاريخ بغداد ١٤ / ٨ من طريق أبي يعلى الوكيل أخبرنا إسماعيل بن سعيد حدثنا الحسين بن القاسم الكوكبي أخبرني الربعي عن أبيه ، وذكره.
ورواه ابن كثير في البداية والنهاية ١٠ / ٢٣٥ نقلا عن أبي بكر الخطيب.
[٦] تاريخ بغداد : رزئنا برسول الله ، وفي البداية والنهاية : ورثنا.
[٧] الخبر في البداية والنهاية ١٠ / ٢٣٥.
[٨] رواه أبو بكر الخطيب في تاريخ بغداد ١٤ / ٨.
[٩] يعني عبد الله بن المبارك ، المتوفى سنة ١٧٩.