الإمامة والسياسة - ت الشيري - الدِّينَوري، ابن قتيبة - الصفحة ٢١٤ - ذكر الحائك المتطفل
والله ما أدري كيف الوجه في هذا ، وهو بالتعزية أولى منه بالتهنئة . قال : صدقت ، كيف كنت تعزيه ؟ فقلت : والله ما أقف على ما تقول . قال : فلست بكاتب رسائل ، فأيهم أنت ؟ قلت : كاتب خراج . قال : فما تقول أصلحك الله ، وقد ولاك السلطان عملا فبثثت عمالك فيه ، فجاء قوم يتظلمون من بعض عمالك ، فأردت أن تنظر في أمرهم ، وتنصفهم إذا كنت تحب العدل ، وتؤثر حسن الأحدوثة وطيب الذكر ، وكان لأحدهم براح [١] ، فأردت مساحته ، كيف كنت تمسحه ؟ قلت : أضرب العطوف في العمود ، وأنظر إلى مقدار ذلك . قال : إذا تظلم الرجل . قلت : فأمسح العمود على حدته . قال : إذا تظلم السلطان . قلت : والله ما أدري [٢] . قال :
لست بكاتب خراج ، فأيهم أنت ؟ قلت : كاتب جند . قال : فما تقول في رجلين اسم كل واحد منهما أحمد ، أحدهما مقطوع [٣] الشفة العليا ، والآخر مقطوع ( ٣ ) الشفة السفلى ، كيف كنت تنعتهما وتحليهما ؟ فقلت : كنت أكتب أحمد الأعلم ، وأحمد الأعلم . قال : فكيف يكون هذا ورزق هذا مئتا درهم ، ورزق ذاك ألف درهم ، فيقبض هذا عطاء ذاك ، وذاك عطاء هذا ، فتظلم صاحب الألف ؟ قلت :
والله ما أدري . قال : فلست بكاتب جند ، فأيهم أنت ؟ قلت : كاتب قاض .
قال : فما تقول في رجل خلف سرية ( ٤ ) وزوجة ( ٥ ) ، وكان للزوجة بنت ، وللسرية ابن ، فلما كان تلك الليلة التي مات فيها الرجل ، أخذت الحرة ابن السرية فادعته ، وجعلت ابنتها مكانه ، فتنازعتا فيه ، فقالت هذه [ هذا ] ابني ، وقالت هذه [ هذا ] ابني ، كيف كنت تحكم بينهما وأنت خليفة القاضي ؟ قلت : والله ما أدري . قال : فلست بكاتب قاض ، فأيهم أنت ؟ فقلت : كاتب شرطة . قال : فما تقول في رجل وثب على رجل ، فشجه شجة موضحة ( ٦ ) ، فوثب عليه المشجوج فشجه شجة مأمومة ( ٧ ) ، كيف كنت تقضي بينهما ؟ فقلت : ما أعلم . قال : فلست بكاتب شرطة . فقلت : أصلحك الله : قد سألت ففسر لي ما ذكرت . فقال :
[١] في العقد والصبح : " قراح " وهو المزرعة التي ليس عليها بناء ولا شجر .
[٢] قارن مع الصبح .
[٣] في الموضعين في الصبح : مشقوق . ( ٤ ) السرية : بالضم ، المملوكة يتسراها صاحبها . ( ٥ ) في صبح الأعشى : زوجة حرة . ( ٦ ) الموضحة من الشجاج : التي بلغت العظم فأوضحت عنه . ( ٧ ) المأمومة أي الضربة التي بلغت أم الرأس .