الإمامة والسياسة - ت الشيري - الدِّينَوري، ابن قتيبة - الصفحة ٢١٣ - ذكر الحائك المتطفل
الشط . فقال : يا سيدي هذا رجل شحاذ وإن قعد معك آذاك ، قال الوزير : فلم يلتفت إليه ولقوله ، وأمرت الغلمان فأدخلوه فقعد ، فلما حضر الغداء دعوته ، فكان يأكل أكل جائع بنهامة ، إلا أنه نظيف الكل ، فلما رفع الطعام ، أردت أن يقوم ويغسل يديه في ناحية ، فلم يفعل ، فغمزه الغلمان ، فلم يفعل ، فتشاغلت عنه ليقوم ، ثم قلت له : يا هذا ما صناعتك ؟ قال لي : حائك ، فقلت في نفسي :
هذه شر من الأولى ، ما ألوم غير نفسي ، إذ لم أقبل ممن نصحني ، وصرت أواكل الحوكة . فقلت : توضأ يا أخي ، فتوضأ ، ثم قال لي : جعلت فداك : قد سألتني عن صناعتي ، فما صناعتك أنت ؟ فقلت في نفسي : هذه شر من الأولى ، وكرهت أن أذكر الوزارة ، قلت : اقتصر على الكتابة . فقلت له : كاتب . فقال : إن الكتابة على خمسة أصناف : كاتب رسائل ، يحتاج أن يعرف الفصل من الوصل ، والصدور ورقيق الكلام ، والتهاني والتعازي ، والترهيب والترغيب ، والمقصور والممدود ، وجملا من العربية ، وكاتب جند يحتاج إلى أن يعرف حساب التقدير ، وشيات [١] الدواب ، وحلي الناس ونعوتهم [٢] . وكاتب قاض ، يحتاج أن يكون عالما بالشروط والأحكام ، عارفا بالناسخ والمنسوخ من القرآن ، والحلال ، من الحرام ، والفروع والمواريث [٣] . وكاتب شرطة ، يحتاج أن يكون عالما بالجروح والقصاص والديات ، فقيها في أحكام الدماء ، عارفا بدعوى التعدي .
وكاتب خراج ، يحتاج أن يعرف الزرع والمساحة وضروب الحساب [٤] . فأيهم أنت أعزك الله ؟ قلت : فوالله ما قضى كلامه حتى صار أعظم الناس في نفسي وأحبهم إلي ، وصار كلامه عندي أشهى من الماء البارد العذب على الظمآن .
فقلت له : أصلحك الله ، تقدم إلي ، وادن مني أكلمك ، وأقعدك المقعد الذي يقعده مثلك ، فلولا أن من البر ما يكون عقوقا لأقعدتك مقعدي هذا . قال :
فأخبرني لو كان لك صديق تكتب إليه في المحبوب والمكروه ، ويكتب إليك في جميع الأسباب ، فتزوجت أمه ، كيف كنت تكتب إليه ؟ تهنئه أم تعزيه ؟ قلت :
[١] شيات الدواب : علاماتها .
[٢] حلى الناس : جميع حلية أي صفة .
[٣] في صبح الأعشى : . . . والتأويل والتنزيل والمتشابه والحدود القائمة .
[٤] زيد في العقد : والأشوال والطسوق والتقسيط . وفي الصبح : خبيرا بالحساب والمقاسمات ، والتقسيط .