الإمامة والسياسة - ت الشيري - الدِّينَوري، ابن قتيبة - الصفحة ١٤٩ - بدء الفتن والدولة العباسية
للقيام موضعا . فأقام محمد بن الحنفية : إمام الشيعة قابضا لزكاتهم ، حتى مات .
فلما حضرته الوفاة ، ولى عبد الله ابنه من بعده ، وأمره بطلب الخلافة إن وجد إلى ذلك سبيلا ، وأعلم الشيعة بتوليته إياه ، فأقام عبد الله بن محمد بن علي ، وهو أمير الشيعة ، فبلغ ذلك سليمان بن عبد الملك ، في أول خلافته ، أن الشيعة قد بايعت عبد الله بن محمد بن علي ، بعد أبيه ، فبعث إليه ، وقد أعد له في أفواه الطرق رجالا ، معهم أشربة مسمومة ، وأمرهم إذا خرج من عنده أن يعرضوا عليه الشراب . فلما دخل على سليمان ، أجلسه إلى جانبه . ثم قال له : بلغني أن الشيعة بايعتك على هذا الأمر ، فجحده عبد الله وقال : بلغك الباطل ، وما زال لنا أعداء يبلغون الأئمة قبلك عنا مثل ما بلغك ، ليغروهم بنا ، فيدفع الله عنا كيد من ناوأنا ، وأنا بما يلزمني من مؤنتي أشغل مني بطلب هذا الأمر ، ثم خرج من عنده في وقت شديد الحر ، فكان لا يمر بموضع إلا قام إليه الرجل بعد الرجل ، يقول له : هل لك في شربة سويق اللوز ، وسويق كذا وكذا يا بن بنت رسول الله ، ونفسه موجسة منهم ، فيقول : بارك الله لكم ، حتى إذا خرج إلى آخر الطريق ، خرج إليه رجل من خبائه ، وبيده عس [١] ، فقال له : هل لك في شربة من لبن يا بن بنت رسول الله ؟ فوقع في نفسه أن اللبن مما لا يسم ، فشرب منه ثم مضى ، فلم ينشب أن وجد للسم حسا [٢] ، فاستدل على الطريق إلى الحميمة [٣] ، وبها جماعة آل عباس ، وقال لمن معه : إن مت ففي أهلي ، ثم توجه فنزل على محمد بن علي بن عبد الله بن عباس فأخبره الخبر ، وقال له : إليك الأمر ، والطلب للخلافة بعدي ، فولاه [٤] ، وأشهد له من الشيعة رجالا ، ثم مات . فأقام محمد بن علي بن عبد الله بن عباس [٥] ، ودعوة الشيعة له حتى مات ، فلما حضرته
[١] العس : بضم العين ، القدح العظيم ، مثل الكوز الكبير .
[٢] يريد أنه أحس بالسم يسري في جسده .
[٣] الحميمة : بضم الحاء وفتح الميم بلدة صغيرة بالبلقاء بالشام .
[٤] ذكر أن أبا عبد الله قال لمحمد بن علي : يا بن عمي ، إني ميت ، وقد صرت إليك ، وأنت صاحب هذا الأمر ، وولدك القائم به ، ثم أخوه من بعده ، والله ليتمن الله هذا الأمر . . . " في كلام طويل أثبته صاحب العقد الفريد ٤ / ٤٧٦ .
[٥] قال الطبري ج ٦ / ٥٦٢ أن محمد بن علي بن عبد الله بن عباس وجه ميسرة إلى العراق ، ووجه محمد بن خنيس وأبا عكرمة السراج ، وهو أبو محمد الصادق ، وحيان العطار ، إلى خراسان ، وأمرهم بالدعاء إليه وإلى أهل بيته . . ثم انصرفوا بكتب من استجاب لهم إلى محمد بن علي فدفعوها إلى ميسرة ، فبعث بها إلى محمد بن علي . واختار أبو محمد الصادق اثنى عشر رجلا ، نقباء ( أسماؤهم في الطبري ) ، واختار سبعين رجلا ، فكتب إليهم محمد بن علي كتابا ليكون لهم مثالا وسيرة فيسيرون بها . ( أنظر ابن الأثير ٣ / ٢٦٣ . وانظر تفاصيل هامة ذكرها في الأخبار الطوال ص ٣٣٢ - ٣٣٣ عن نشاط محمد بن علي وأصحابه المبعوثين إلى الأمصار . . . ) ومات محمد بن علي سنة ١٢٥ ه بعد أن قطعت الدعوة العباسية شوطا بعيدا . قال د . حسن إبراهيم حسن في التاريخ السياسي : ٢ / ١٣ " ويمكن تقسيم الدعوة العباسية قسمين : - الأول يبدأ في مستهل القرن الأول للهجرة ، وينتهي بانضمام أبي مسلم الخراساني ، وكانت الدعوة في هذا الدور خالية من أساليب العنف والشدة . إذ كان الدعاة يجوبون البلاد الإسلامية متظاهرين بالتجارة أو أداء فريضة الحج . - الدور الثاني يبدأ بانضمام أبي مسلم إلى الدعوة العباسية . وهنا يدخل النزاع بين الأمويين والعباسيين في دور العمل ، وهو دور الحروب التي انتهت بزوال الدولة الأموية .