الإمامة والسياسة - ت الشيري - الدِّينَوري، ابن قتيبة - الصفحة ١٦٥ - قتل أبي سلمة الخلال
فوثب رجل إلى فرسه فأخذه . فقال له مروان : أكرمه فإنه أشقر مروان . ثم كسر غمد سيفه ، وقاتل قتالا شديدا ، ثم أصيب [١] ، فنزل أبو عون ، فأمر بضرب قبابه ، وأمر سليمان بن هشام بطلب المنهزمين ، حتى أصيب عامتهم واستأسر منهم من استأسر ، وكان فيمن أسر منهم عبد الحميد كاتبه ، وحكم المكي مؤذنه ، فاستبقاهما أبو عون ، وبعث بهما إلى صالح بن علي ، ثم أمر أبو عون بطلب جثة مروان على شاطئ النيل . فلما كان من الغد ، ركب أبو عون وسليمان بن هشام لينظرا مروان ، فنظرا إليه ، ثم تحول أبو عونه إلى سليمان . فقال : الحمد لله الذي شفى صدرك قبل الموت من مروان ، فهل لك يا أبا أيوب أن تذهب إلى أمير المؤمنين بكتابي وبما هيأ الله على يديك وشفا به صدرك ، فيفعل بك خيرا ، ويعرف من قرابتك ونصحك ما أنت أهله ؟ فرضي بذلك سليمان ، فكتب وسار .
فلما قدم سليمان بن هشام على أبي العباس أمير المؤمنين ، رحب به وقربه واستلطفه ، وأنزله بعض دور الكوفة ، وفعل به ما لم يفعل بأحد سواه ، من البر والإكرام ، وكان سليمان يختلف إلى مائدة أبي العباس في كل يوم ، فيتغدى معه ، ويتعشى ، وكان كأحد وزرائه وفوقهم ، وكان يجلس أبا جعفر عن يمينه ، وسليمان عن يساره .
قتل أبي سلمة الخلال قال : وذكروا أن أبا العباس لما تمت له الأمور واستوثقت ، استشار وزراءه في قتل أبي سلمة ، فأدار القوم الرأي فيه ، وكان أبو سلمة يظهر الإدلال والقدرة على أمير المؤمنين ، وكان يقيم عنده في كل ليلة إلى حين من الليل ، فإذا أراد الخروج والرجوع إلى منزله ، قربت إليه دابته إلى المجلس ، فيركب منه دون غيره ، ثم يخرج إلى داره . فقالوا له : إنك إن قتلته ارتاب أبو مسلم ، ولم تأمن أن يحدث لذلك حدثا ، ولكن الرأي أن تكتب إليه بالذي رابك منه ، والذي يريده من فسخ ما أنت فيه ، فكتب إلى أبي مسلم بذلك [٢] ، وكان أبو العباس وأبو
[١] الذي قتله محمد بن شهاب المازني ، وفي الطبري اسمه المغود ، وفي الأخبار الطوال ومروج الذهب : عامر بن إسماعيل . وكان قتله لليلتين بقيتا من ذي الحجة سنة ٣٢ .
[٢] في مروج الذهب ٣ / ٣٢٨ أن أبا مسلم هو الذي كتب إلى السفاح يشير عليه بقتله . ثم كتب إلى المنصور وداود بن علي يسألهما أن يشيرا على السفاح بقتله لأنه نكث وبدل وغير . ( وانظر اليعقوبي ٢ / ٣٥٢ ) . وأشار في الأخبار الطوال إلى أنه بمجرد بلوغه خبر أن أبا العباس أسند أموره إلى أبي سلمة أرسل مروان الضبي فقتله ص ٣٧٠ .