الإمامة والسياسة - ت الشيري - الدِّينَوري، ابن قتيبة - الصفحة ٢٠٨ - قدوم هارون الرشيد المدينة
يحكم بها النبيون الذين أسلموا ، فالذين أسلموا : محمد صلى الله عليه وسلم وأصحابه ، وقد حكم بالتوراة رسول الله صلى الله عليه وسلم ، في المرجوم اليهودي الذي زنى ، فرجمه رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وقد ذكر أنس بن مالك رضي الله عنه أن يهوديا لقي جارية من جواري الأنصار في بعض أنقاب المدينة ، وعليها أوضاح [١] من ذهب وورق ، فأخذ الأوضاح منها ، وشدخ رأسها بين حجرين ، فأدركت الجارية وبها رمق ، فاتهم بها اليهود ، فأتي بهم ، فعرضوا عليها رجلا رجلا وهي لا تتكلم ، حتى أتي بصاحبها الذي قتلها فعرفته . فقيل له : هذا الذي قتلك ؟ فأومأت برأسها أن نعم ، فأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم فشدخ رأسه بين حجرين ، فهذا يا أمير المؤمنين حكم الدماء ، والقسامة فيها سنة قائمة من رسول الله صلى الله عليه وسلم والخلفاء ، فقنعوا منه بذلك ، وصاروا إلى الرضا بقوله ، والتصديق لروايته ، والتسليم لتأويل ما تأول من القرآن الكريم . ثم قال له مالك : إن أباك يا أمير المؤمنين بعث إلي في هذا المجلس كما بعثت إلي ، وحدثته بما حدثتك به في شأن أهل المدينة ، وما يصبرون عليه من البلاء ، وشدة الزمان ، وغلاء الأسعار ، صبرا على ذلك ، واختيارا لجوار قبر رسول الله صلى الله عليه وسلم . فقال هارون : ذلك هو أبي وأنا ابنه ، وسوف أفعل ما فعل ، وأمر لأهل المدينة بعشرة أبيات مال [٢] ، ضعف ما أمر به المهدي ، وكان أبو يوسف القاضي مع الرشيد يومئذ ، فسأله أن يجمع بينه وبين مالك ، ليكلمه في الفقه . فقال الرشيد لمالك :
كلمه يا أبا عبد الله ، فأنف من ذلك مالك ، وتنزه عنه ، وقال لهارون : هاهنا من فتيان قريش من تلامذتنا ، من يبلغ حاجة أمير المؤمنين ، ويخصمه [٣] فيما يتكلم به ، ويذهب إليه ، فسر ذلك الرشيد حين أضاف ذلك إلى قريش . فقال : من هو ؟ فقال : المغيرة بن عبد الرحمن المخزومي [٤] ، فبعث إليه الرشيد فجمعه بأبي يوسف فقال : كلمني بما بدا لك أجاوبك . فقال أبو يوسف القاضي [٥] : يا أمير
[١] الأوضاح : جمع وضح بفتح الواو والضاد : من حلي النساء . والورق : الفضة .
[٢] قال الطبري : ٨ / ٢٣٩ فقسم في أهلها ( المدينة ) مالا عظيما .
[٣] خصمه : يخاصمه في أمر ما وينتصر عليه في الخصومة .
[٤] هو عبد الرحمن بن الحارث المخزومي فقيه أهل المدينة ، عرض عليه الرشيد قضاء المدينة فرفض ، مات سنة ١٨٦ ه . ( الكاشف ) .
[٥] هو يعقوب بن إبراهيم بن سعد الزهري أبو يوسف . مات سنة ١٨٢ ه . ( العبر ١ / ٢١٩ - تذكرة الحفاظ ١ / ٢٩٢ - البداية والنهاية ١٠ / ١٨٠ - سير أعلام النبلاء ١٢ / ١٤١ ) .