الإمامة والسياسة - ت الشيري - الدِّينَوري، ابن قتيبة - الصفحة ٤٣ - خروج ابن الأشعث على الحجاج
الأعرابي : إني لأحسبك مجنونا . قال الغضبان : اللهم اجعلني من خيار الجن .
قال الأعرابي : إني لأظنك حروريا . قال الغضبان : اللهم اجعلني ممن يتحرى الخير . قال الأعرابي : إني لأراك منكرا . قال الغضبان . إني لمعروف فيما أوتي .
فولى عنه وهو يقول : إنك لبذخ أحمق ، وما أنطق الله لسانك إلا بما أنت لاق وعما قليل تلتف ساقك بالساق . فلما قدم [١] الغضبان على الحجاج قال له : أنت شاعر ؟ قال : لست بشاعر ، ولكني خابر . قال : أفعراف أنت ؟ قال : بل وصاف .
قال : كيف وجدت أرض كرمان ؟ قال الغضبان : أرض ماؤها وشل [٢] ، وسهلها جبل ، وثمرها دقل [٣] ، ولصها بطل [ والخيل بها ضعاف ] [٤] ، إن كثر الجيش بها جاعوا ، وإن قل بها ضاعوا . قال : صدقت ، أعلمت من كان الأعرابي ؟ قال :
لا ، قال : كان ملكا خاصمك ، فلم تفقه عنه لبذخك ، اذهبوا به إلى السجن فإنه صاحب المقالة : تغد بالحجاج قبل أن يتعشى بك ؟ وأنت يا غضبان قد أنذرك خصمك على نطق لسانك ، فما الذي به دهاك ؟ قال الغضبان : جعلني الله فداك أيها الأمير ، أما إنها لا تنفع [٥] من قيلت له ، ولا تضر من قيلت فيه . فقال الحجاج : أجل ولكن أتراك تنجو مني بهذا ؟ والله لأقطعن يديك ورجليك ، ولأضربن بلسانك عينيك . قال الغضبان : أصلح الله الأمير ، قد آذاني الحديد وأهون ساقي القيود ، فما يخاف من عدلك البرئ ، ولا يقطع من رجائك المسئ . قال الحجاج : إنك لسمين . قال الغضبان : القيد والرتعة [٦] ، ومن يك ضيف الأمير يسمن . قال : إنا حاملوك على الأدهم [٧] قال الغضبان : مثل الأمير أصلحه الله يحمل على الأدهم [٨] والأشقر . قال الحجاج : إنه لحديد . قال الغضبان : لأن يكون حديدا [٩] خير من أن يكون بليدا . قال الحجاج : اذهبوا به إلى السجن ، قال الغضبان : ( فلا يستطيعون توصية ولا إلى أهلهم يرجعون )
[١] في مروج الذهب : أخذ الغضبان فيمن أسر ، ثم أدخل على الحجاج .
[٢] وشل : قليل .
[٣] دقل : من التمر أردؤه .
[٤] زيادة عن مروج الذهب .
[٥] في مروج الذهب : ما نفعت .
[٦] الرتعة : الدعة والراحة .
[٧] يريد بالأدهم هنا الحديد ، شبه بالأدهم لسواده .
[٨] يريد بالأدهم هنا الفرس الأدهم ، والأشقر : الفرس الأبيض .
[٩] حديدا : سريعا .