الإمامة والسياسة - ت الشيري - الدِّينَوري، ابن قتيبة - الصفحة ١٩٩ - ذكر ما نال مالك بن أنس من جعفر بن سليمان
يأذن لك فيه ، ويلهمك إلى فعله . فقال له أبو جعفر : إنك أحللت بنفسك وأهلكتها . فقال عبد الله بن مرزوق : اللهم إن كان بيد أبي جعفر ضري فلا تدع من الضر شيئا إلا أنزلته علي ، وإن كان بيده منفعتي فاقطع عني كل منفعة منه ، أنت يا رب بيدك كل شئ ، ومليك كل شئ ، فأمر به أبو جعفر فحمل إلى بغداد فسجنه بها . وكان يسجنه بالنهار ، ويبعث إليه بالليل يبيت عنده ويسامره ، يلبث نهاره أجمع بالسجن ، ثم يسامره بالليل ليظهر للناس أنه سجن أول من اعترض عليه ، لئلا يجترئ الجاهل فيقول : قد وسع عفو أمير المؤمنين فلانا ، أفلا يسعني ؟ فكان دأبه هذا معه زمانا طويلا حتى نسي أمره ، وانقطع خبره ، ثم خلى سبيله ، فلحق بمكة ، فلم يزل بها حتى مات أبو جعفر ، وولي ابنه المهدي ، فلما حج المهدي ، فعل مثل ذلك ، ففعل به عبد الله بن مرزوق مثل ذلك أيضا ، فأراد قتله . فقيل له : يا أمير المؤمنين إنه قد فعل هذا بأبيك ، فكان من صنيعه أن حمله إلى بغداد ، فسجنه بالنهار ، وسامره بالليل ، وأنت أحق من أخذ بهديه ، واحتذى على مثاله ، وورث أكروماته ، فحمله المهدي معه ، فمات ببغداد ، رحمه الله [١] .
ذكر ما نال مالك بن أنس من جعفر بن سليمان قال : وذكروا أنه هاج بالمدينة هيج في ابتداء أيام أبي جعفر [٢] ، فبعث إليها أبو جعفر ابن عمه جعفر بن سليمان بن العباس ، ليسكن هيجها وفتنها ، ويجدد بيعة أهلها فقدمها وهو يتوقد نارا على أهل الخلاف لهم ، فأظهر الغلظة والشدة ، وسطا [٣] بكل من ألحد في سلطانهم ، وأشار إلى المنازعة لهم ، وأخذ الناس بالبيعة ، وكان مالك بن أنس رحمه الله لم يزل صغيرا وكبيرا محسدا ، وكذلك كل من عظمت نعمة الله عليه في علمه أو عمله ، أو فهمه أو ورعه ، فكيف بمن
[١] مات ببغداد سنة ١٩٦ ه ، كان وزيرا للرشيد ثم تزهد وانقطع للعبادة . أوصى عند موته أن يدفن على مزبلة ، قال : لعله يرى مكاني فيرحمني . ( صفة الصفوة ٢ / ٣١٧ البداية والنهاية حوادث سنة ١٩٦ ) .
[٢] ولي جعفر بن سليمان المدينة سنة ١٤٦ بعد عزل عبد الله بن الربيع ، فقدمها في شهر ربيع الأول . وجاءت ولايته بعد ظهور محمد بن عبد الله . وذلك بعد تسع سنوات من ولاية أبي جعفر المنصور .
[٣] أي تسلط على الذين نكثوا بيعة أبي جعفر ، وسلطان بني العباس .