الإمامة والسياسة - ت الشيري - الدِّينَوري، ابن قتيبة - الصفحة ١٨٥ - ثورة عيسى بن زيد بن علي بن الحسين
المؤمنين ، لا تدخل على نفسك هذا الغم من أجلي ، فإن قدري أصغر مما بلغ منك هذا . فصفق أبو جعفر بيده فخرج عثمان بن نهيك ، فضربه ضربة خفيفة ، فأومأ أبو مسلم إلى رجل أبي جعفر يقبلها ويقول : أنشدك الله يا أمير المؤمنين ، استبقني لأعدائك ، فدفعه برجله وضربه شبيب على حبل العاتق [١] فأسرعت فيه ، فقال أبو مسلم : وانفساه : ألا قوة ؟ ألا مغيث ؟ وصاح أبو جعفر : أضرب لا أم لك ، فاعتوره القوم بأسيافهم فقتلوه ، فأمر به أبو جعفر ، فكفن بمسح [٢] ، ثم وضع في ناحية ، ثم قيل : إن عيسى بن موسى بالباب ، فقال : أدخلوه . فلما دخل قال : يا أمير المؤمنين ، فأين أبو مسلم ؟ قال : كان هاهنا آنفا فخرج . فقال عيسى : يا أمير المؤمنين قد عرفت طاعته ومناصحته ، ورأى إبراهيم الإمام فيه .
قال له أبو جعفر : يا أنوك [٣] والله ما أعرف عدوا أعدى لك منه ، ها هوذا في البساط . فقال عيسى : إنا لله وإنا إليه راجعون ، فأقبل إسحاق صاحب شرطته قال : إنما كان أبو مسلم عبد أمير المؤمنين وأمير المؤمنين أعلم بما صنع . فأمر أبو جعفر برأسه ، فطرح إلى من بالباب من قواد أبي مسلم ، فجالوا جولة ، وهموا أن يبسطوا سيوفهم على الناس ، ثم ردهم على ذلك انقطاعهم من بلادهم وتغربهم وإحاطة العدو بهم ، فبعضهم اتكأ على سيفه فمات ، وبعضهم ناصب وأراد القتال ، فلما نظر أبو جعفر إلى ذلك ، أمر بالعطاء لأصحاب أبي مسلم ، وأجزل الصلات للقواد والرؤساء منهم ، ثم عهد إليهم أن من أحب منكم أن يكون معنا هاهنا ، نأمر بإلحاقه في الديوان ، في ألف من العطاء ، ومن أحب أن يلحق بخراسان كتبناه في خمس مئة ترد عليه في كل عام وهو قاعد في بيته .
قال : فكأنها نار طفئت . فقالوا : رضينا يا أمير المؤمنين كل ما فعلت ، فأنت الموفق . فمنهم من رضي بالمقام معه ، ومنهم من لحق بخراسان .
ثورة عيسى بن زيد بن علي بن الحسين قال : وذكروا أن أبا جعفر لما قتل أبا مسلم ، واستولى على ملك العراقين
[١] العاتق : الكتف . وحبله : عظمة الترقوة . وفي مروج الذهب : فقطع رجله .
[٢] المسح الثوب الخشن . وفي الأخبار الطوال : لف في بساط . وفي مروج الذهب : أدرج في بساط .
[٣] الأنوك : الأحمق .