الإمامة والسياسة - ت الشيري - الدِّينَوري، ابن قتيبة - الصفحة ١٤٨ - بدء الفتن والدولة العباسية
بدء الفتن والدولة العباسية قال : وذكروا أن الهيثم بن عدي أخبرهم ، قال : اختلفت روايات القوم الذين عنهم حملنا وروينا ذكر الدولة ، فحملنا عنهم ما اختلفوا فيه وألفناه ، فكان أول ما اختلفت فيه الرواية ، ولم تلائمه الحكاية ، أشياء سنذكرها في موضعها من هذا الكتاب إن شاء الله ، واقتصرنا على معانيها ، وقيدنا بعض ألفاظها لطول أخبارها ، واجتنبنا الجزل السمين من اللفظ ، ورددنا هزيله لنزر فائدته ، وقلة عائدته ، وقد اختصرنا وأشبعنا إذ لم نترك من المعاني المتقدمة شيئا ، والله الموفق للصواب .
فكان مما ألفنا بدءا من ذكر الدولة ، وما أخبرنا عن الهيثم بن عدي ، عن الرجال الذين حدثوه . قالوا : لما سلم الحسن بن علي الأمر إلى معاوية بن أبي سفيان ، قامت الشيعة من أهل المدينة ، وأهل مكة ، وأهل الكوفة ، واليمن ، وأهل البصرة ، وأرض خراسان ، في ستر وكتمان ، فاجتمعوا إلى محمد بن علي ، وهو محمد بن الحنفية [١] ، فبايعوه على طلب الخلافة إن أمكنه ذلك ، وعرضوا عليه قبض زكاتهم ، لينفقوها يوم الوثوب على فرصته ، فيما يحتاج من النفقة على مجاهدته ، فقبلها ، وولى على شيعة كل بلد رجلا منهم ، وأمره باستدعاء من قبله منهم ، في سر وتوصية إليهم ، ألا يبوحوا بمكتومهم ، إلا لمن يوثق به ، حتى يرى
[١] كان ذلك بعد مقتل الحسين بن علي رض سنة ٦٠ ه . حيث أثار مقتله حماسة المسلمين ، فتوحدت صفوف الشيعة وزادت الدعوة لآل علي ( رض ) قوة ، واشتد العداء بين الأمويين والعلويين الذين ثاروا في الولايات الإسلامية . وقد كانت كربلاء ونتائجها عاملا في إذكاء روح التشيع ، وأصبحت عقيدة راسخة في نفوس المسلمين ، وقد وجد ابن الزبير فرصته التاريخية - بعد كربلاء - لتحقيق أغراضه السياسية تحت ستار الأخذ بثأر الحسين ، وتهيأت الفرصة أيضا للمختار بن أبي عبيد الذي ادعى إمامة محمد بن الحنفية ( ابن علي بن أبي طالب ) وانضمت إليه حركة التوابين الذين ندموا على عدم إغاثتهم الحسين وقاموا ليبذلوا نفوسهم في الأخذ بثأره .