الإمامة والسياسة - ت الشيري - الدِّينَوري، ابن قتيبة - الصفحة ١٩١ - اجتماع شبيب بن شيبة مع أبي جعفر قبل ولايته وبعدها
قال : هون عليك الأمر ، سنة الله التي قد خلت في عباده ، ولن تجد لسنة الله تبديلا ، وليس ما يكون منهم بحاجز لنا عن صلة أرحامهم ، وحفظ أعقابهم [١] فقلت : كيف تسلم لهم قلوبكم ، وقد قاتلوكم مع عدوكم ؟ فقال : نحن قوم حبب إلينا الوفاء وإن كان علينا ، وبغض إلينا الغدر وإن كان لنا ، وإنما يشذ عنا منهم الأقل ، فأما أنصار دولتنا ، ونقباء شيعتنا ، وأمراء جيوشنا فهم ومواليهم معنا ، فإذا وضعت الحرب أوزارها صفحنا للمحسن عن المسئ ، ووهب للرجل قومه ومن اتصل بأسبابه ، فتذهب المثابرة [٢] ، وتخمد الفتنة ، وتطمئن القلوب . فقلت :
ويقال : إنه يبتلى بكم من أخلص لكم المحبة . فقال : قد روي أن البلاء أسرع إلى محبينا من الماء إلى قراره . قلت : لم أرد هذا . قال : فما الذي تريد ؟
قلت : توقعون [٣] بالولي وتحظون العدو . فقال : من يسعد بنا من الأولياء أكثر ، ومن يسلم معنا من الأعداء أقل ، إنما نحن بشر ، ولا يعلم الغيب إلا الله ، وربما استترت عنا الأمور ، فنوقع [٤] بمن لا نريد ، وإن لنا لإحسانا يجازي الله به مداواة ما تكلم ورتق ما تثلم فنستغفر الله بما يعلم ، وما أنكر من ألا يكون الأمر على ما بلغك ، ومع الولي التعزز والإدلال ، والثقة والاسترسال ، ومع العدو التحرز والتذلل والاحتيال [٥] ، وإنك لمسؤول يا أخا بني تميم . قلت : إني أخاف ألا أراك بعد اليوم . قال : لكن أرجو أن أراك وتراني قريبا إن شاء الله . قلت : عجل الله ذلك ، ووهب لي السلامة منكم ، فإني محبكم . فتبسم وقال : لا بأس عليك ما أعاذك الله من ثلاثة . قلت : وما هي ؟ قال : قدح في الدين ، وهتك للملوك ، وتهمة في حرمة ، واحفظ عني ما أقول لك : أصدق وإن ضرك الصدق ، وانصح وإن باعدك النصح ، ولا تخالطن لنا عدوا وإن أحظيناه فإنه مخذول ، ولا تخذلن وليا وإن أقصيناه وأصبحنا بترك المماكرة ، وتواضع إذا رفعوك ، وصل إذا قطعوك ، ولا تستخف فيمقتوك ، ولا تنقبض فيحتشموك ، [ ولا تبدأ حتى يبدؤك ] ولا تخطب الأعمال ، ولا تتعرض للأموال ، وأنا رائح من عشيتي هذه ، فهل من
[١] زيد في العقد : وتجديد الصنيعة عندهم .
[٢] كذا بالأصل ، وفي العقد : النائرة وهي أصح .
[٣] في العقد : تعقون الولي .
[٤] كذا ، وفي العقد : فنقع .
[٥] زيد في العقد : وربما أمل المدل . وأخل المسترسل ، وتجانب المتقرب ، ومع المقة تكون الثقة ، على أن العاقبة لنا على عدونا ، وهي لولينا .