الإمامة والسياسة - ت الشيري - الدِّينَوري، ابن قتيبة - الصفحة ٤٠ - ولاية الحجاج على العراقين
على كل باب مئة رجل بأسيافهم تحت أرديتهم ، وعهد إليهم أن إذا سمعتم الجلبة في داخل المسجد ، والواقعة فيهم ، فلا يخرجن خارج من باب المسجد حتى يسبقه رأسه إلى الأرض ، وكان المسجد له ثمانية عشر بابا ، يدخل منها إليه .
فافترق القوم عن الحجاج فبدروا إلى الأبواب ، فجلسوا عندها مرتدين ينتظرون الصلاة ، ودخل الحجاج وبين يديه مئة رجل ، وخلفه مئة كل رجل منهم مرتد بردائه ، وسيفه قد أفضى به إلى داخل إزاره . فقال لهم : إني إذا دخلت فسأكلم القوم في خطبتي ، وسيحصبونني ، فإذا رأيتموني قد وضعت عمامتي على ركبتي ، فضعوا أسيافكم ، واستعينوا بالله ، واصبروا إن الله مع الصابرين ، فلما دخل المسجد ، وقد حانت الصلاة ، صعد المنبر فحمد الله ثم قال : أيها الناس إن أمير المؤمنين عبد الملك أمير استخلفه الله عز وجل في بلاده ، وارتضاه إماما على عباده ، وقد ولاني مصركم ، وقسمة فيئكم ، وأمرني بإنصاف مظلومكم ، وإمضاء الحكم على ظالمكم ، وصرف الثواب إلى المحسن البرئ ، والعقاب إلى العاصي المسئ ، وأنا متبع فيكم أمره ، ومنفذ عليكم عهده ، وأرجو بذلك من الله عز وجل المجازاة ، ومن خليفته المكافأة وأخبركم أنه قلدني بسيفين حين توليته إياي عليكم : سيف رحمة ، وسيف عذاب ونقمة ، فأما سيف الرحمة فسقط مني في الطريق ، وأما سيف النقمة فهو هذا . فحصبه الناس . فلما أكثروا عليه خلع عمامته ، فوضعها على ركبته ، فجعلت السيوف تبري الرقاب ، فلما سمع الخارجون الكائنون على الأبواب وقيعة الداخلين ، ورأوا تسارع الناس إلى الخروج ، تلقوهم بالسيوف ، فردعوا الناس إلى جوف المسجد ، ولم يتركوا خارجا يخرج ، فقتل منهم بضعة وسبعين ألفا ، حتى سالت الدماء إلى باب المسجد ، وإلى السكك [١] .
قال أبو معشر : لما قدم الحجاج البصرة ، صعد المنبر ، وهو معتجر بعمامته متقلد سيفه وقوسه . قال : فنعس على المنبر ، وكان قد أحيا الليل ، ثم تكلم بكلام فحصبوه ، فرفع رأسه ثم قال : إني أرى رؤوسا قد أينعت وحان قطافها [٢] . فهابوه وكفوا ، ثم كلمهم فحصبوه وأكثروا ، فأمر بهم جندا من أهل
[١] كذا بالأصل ، ولم أقف على خطبته هذه فيما لدي من مراجع . والواضح أن في الخبر مبالغة ظاهرة إذ أن حدثا بهذا القدر - يقتل بضعة وسبعين ألفا - لا يمكن إغفاله .
[٢] من خطبة طويلة . أنظر ابن الأثير ٣ / ٨٥ الكامل للمبرد ١ / ٢٢٤ البيان والتبيين ٢ / ٢٢٤ العقد الفريد ٤ / ١٢٠ مروج الذهب ٣ / ١٥٥ ، فتوح ابن الأعثم ٧ / ٥ - ٩ البداية والنهاية ٩ / ١١ الطبري ٧ / ٢١٠ .