الإمامة والسياسة - ت الشيري - الدِّينَوري، ابن قتيبة - الصفحة ٢٢٣ - قتل جعفر بن يحيى بن برمك
ولباب الكرام ، وملح الأيام ، عتق منظر ، وجودة مخبر ، وجزالة منطق ، وسهولة لفظ ، ونزاهة أنفس [١] ، واكتمال خصال ، حتى لو فاخرت الدنيا بقليل أيامهم ، والمأثور من خصالهم كثير أيام من سواهم ، من لدن آدم أبيهم إلى نفخ الصور ، وانبعاث أهل القبور ، حاشا أنبياء الله المكرمين ، وأهل وحيه المراسلين ، لما باهت إلا بهم ، ولا عولت في الفخر إلا عليهم ، ولقد كانوا مع تهذيب أخلاقهم ، وكريم أعراقهم ، وسعة آفاقهم ، ورفق ميثاقهم [٢] ، ومعسول مذاقهم ، وسني [٣] إشراقهم ، ونقاوة أعراضهم ، وطيب أغراضهم ، واكتمال خلال الخير فيهم إلى ملء الأرض مثلهم ، في جنب محاسن المأمون كالنفثة في البحر ، وكالخردلة في المهمة القفر . قال سهل : إني لمحصل أرزاق العامة بين يدي يحيى بن خالد في داخل سرادقه ، وهو مع الرشيد بالرقة ، وهو يعقدها جملا بكفه ، إذ غشيته سآمة ، وأخذته سنة ، فغلبته عيناه . فقال : ويحك يا سهل ، طرق النوم شفري عيني ، فأظلمت وأكلت السنة خواطري [٤] ، فما ذاك ؟ قلت : طيف كريم ، إن أقصيته أدركك ، وإن غالبته غلبك ، وإن قربته روحك ، وإن منعته عنتك ، وإن طردته طلبك . فنام أقل من فواق بكية [٥] أو نزح ركية [٦] ، ثم انتبه مذعورا ، فقال : يا سهل ، لأمر ما كان ، ذهب والله ملكنا ، وذل عزنا ، وانقطعت أيام دولتنا . فقلت :
وما ذاك أصلح الله الوزير . قال : كأن منشدا أنشدني :
كأن لم يكن بين الحجون إلى الصفا * أنيس ولم يسمر بمكة سامر [٧] فأجبته عن غير روية ولا إجالة فكر :
بلى نحن كنا أهلها فأبادنا * صروف الليالي والجدود العواثر [٨]
[١] في العقد : نفس .
[٢] في العقد : ورونق سياقهم .
[٣] في العقد : وبهاء . . . وتهذيب أغراضهم .
[٤] في العقد : وحلت السنة جفني .
[٥] الفواق : بالضم والفتح ، ما بين الحلبتين من الوقت . أو ما بين يدك وقبضها على الضرع . والبكيئة ( بكية : بعد أن سهلت الهمزة وأدغمت الياء بالياء ) القليلة اللبن .
[٦] في العقد : أو نزع من ركية ، والركية : البئر .
[٧] الحجون : جبل بأعلى مكة .
[٨] البيتان في معجم البلدان ( حجون ) من أبيات قالها مضاض بن عمرو الجرهمي يتشوق إلى مكة بعد أن أجلتهم عنها خزاعة .