الإمامة والسياسة - ت الشيري - الدِّينَوري، ابن قتيبة - الصفحة ٢٠٤ - موت أبي جعفر المنصور واستخلاف المهدي
موت أبي جعفر المنصور واستخلاف المهدي قال : وذكروا أنه لما كانت سنة ست وستين ومائة [١] قدم أبو جعفر مكة ، فلما قضى حجة احتضر ثلاثة أيام [٢] ، ثم توفي في اليوم الرابع ، وولى ابنه محمد المهدي وكان معه يومئذ بمكة وأخوه جعفر ببغداد ، وكان قد عهد إليه أبو جعفر .
فلما قفل المهدي إلى بغداد أتاه رجل فقال له : أدرك أخاك جعفرا ( ٢ ) ، فإنه قد هم بمنازعتك ، وهو يريد خلعك ، فأخذ في السير ، ومعه الجنود والأموال ، وصناديد الرجال من العراق ، ورجال العرب ، ووجوه قريش . فلما قدم العراق اعتذر إليه جعفر مما رفع إليه عنه ، وحلف له أنه ما نوى ولا أراد منازعته ، ولا أشار إلى خلافه ، ولا هم به ، فقبل منه المهدي ذلك ، وعفا عنه ، وكان كريما سخيا حليما ، فلما كان سنة سبع وستين ومائة قدم حاجا ، فدخل المدينة زائرا لقبر النبي صلى الله عليه وآله ، فدخل عليه مالك ، فحضه على الاحسان إلى أهل المدينة ، وحدثه بفضلها وفضل أهلها ، ويقول رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فيها : أمرت بقرية تأكل القرى ، يقولون يثرب ( وهي المدينة ) تنفي الناس كما ينفي الكير خبث الحديد ، ثم قال يا أمير المؤمنين : أفليس هؤلاء أهلا أن يعانوا على الصبر عليها وعلى جوار رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ؟
فقال المهدي : بلى والله يا أبا عبد الله ، حتى لا أجد إلا مثل هذا ، ومد يده ليأخذ من الأرض شيئا فلم يجده . ثم قال صدقت فيهم وبررت ، وحضضت على الرشد ، فأنت أهل أن يطاع أمرك ، ويسمع قولك ، فأمر بخمسة أبيات مال ، والبيت عندهم خمسمائة ألف ، وأمر مالكا أن يختار من تلامذته رجالا يثق بهم ، ويعتمد عليهم ، يقسمونها على أهل المدينة ، ويؤثرون أهل بيت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، وأهل بيت أبي بكر وعمر وعثمان ، ثم أهل بيوت المهاجرين والأنصار ، ثم الذين اتبعوهم بإحسان ، ففعل فأغنى أهل المدينة عامهم ذلك .
[١] كذا بالأصل ، وقد تقدم أن أبا جعفر مات سنة ١٥٨ على المشهور .
[٢] مات عند وصوله إلى بئر ميمون ( الطبري - ابن الأثير ) وفي مروج الذهب : في الموضع المعروف ببستان بني عامر من جادة العراق وقيل : مات بالبطحاء عند بئر ميمون وكانت وفاته ليلة السبت لست خلون من ذي الحجة . ( ٣ ) في الطبري ٨ / ٣٢ مات جعفر بن أبي جعفر الأكبر سنة ١٥٠ وانظر ابن الأثير ٣ / ٦٠٥ .