الإمامة والسياسة - ت الشيري - الدِّينَوري، ابن قتيبة - الصفحة ١١٥ - سؤال سليمان بن عبد الملك موسى عن أخباره وأفعاله
فلما سلم قال : يا أمير المؤمنين رأيتك لما نظرتني داخلا تكلمت بكلام ظننتك عنيتني به . قال : نعم . قلت : ذهب سلطان الشيخ . قال له موسى : أما والله لئن ذهب سلطان الشيخ لقد أثر الله به في دينه أثرا حسنا ، ولقد كنت طويل الجهاد في الله حريصا على إظهار دين الله ، حتى أظهره الله ، وكنت ممن أتم الله به موعده لنبيه ، ولئن أدبر معك ، لقد كان مع آبائك ناضر الغصن ، ميمون الطائر [١] ، فقال سليمان : هو ذاك . فقال موسى : وهو ذاك ، فلم يزل يرددها سليمان ، ويرددها موسى حتى سكت سليمان .
سؤال سليمان بن عبد الملك موسى عن أخباره وأفعاله قال : وذكروا أن سليمان قال لموسى : ما الذي كنت تفزع إليه في مكان حربك من أمور عدوك ؟ قال : التوكل ، والدعاء إلى الله يا أمير المؤمنين . قال له سليمان : هل كنت تمتنع في الحصون والخنادق ، أو كنت تخندق حولك ؟ قال :
كل هذا لم أفعله . قال : فما كنت تفعل ؟ قال : كنت أنزل السهل ، وأستشعر الخوف والصبر ، وأتحصن بالسيف والمغفر ، وأستعين بالله ، وأرغب إليه في النصر . قال له سليمان : فمن كان من العرب فرسانك ؟ قال حمير . قال : فأي الخيل رأيت في تلك البلاد أصبر ؟ قال : شقرها . قال : فأي الأمم كانوا أشد قتالا ؟
قال : إنهم يا أمير المؤمنين أكثر مما أصفهم . قال له : أخبرني عن الروم . قال :
أسود في حصونهم ، عقبان على خيولهم [٢] ، نساء في مواكبهم [٣] ، إن رأوا فرصة افترصوها ، وإن خافوا غلبة فأوعال [٤] ، ترقل في أجبال ، لا يرون عارا في هزيمة تكون لهم منجاة . قال : فأخبروني عن البربر . قال : هم يا أمير المؤمنين أشبه العجم بالعرب ، لقاء ونجدة ، وصبرا وفروسية ، وسماحة وبادية ، غير أنهم يا أمير المؤمنين غدر . قال : فأخبرني عن الأشبان ، قال : ملوك مترفون ، وفرسان لا يجبنون . قال : فأخبرني عن الإفرنج . قال : هناك يا أمير المؤمنين العدد والعدة ، والجلد والشدة وبين ذلك أمم كثيرة ، ومنهم العزيز ، ومنهم الذليل ، وكلا قد
[١] يشير موسى إلى حسن علاقاته بعبد العزيز وعبد الملك والوليد ابنه ، واحترامهم له وتقديمهم إياه .
[٢] أي سريعو الجريان على خيولهم ، شبههم بالعقاب لسرعة طيرانه .
[٣] يعني يتجملون في مواكبهم كالنساء .
[٤] الأوعال جمع وعل . وترقل : تسرع .