الإمامة والسياسة - ت الشيري - الدِّينَوري، ابن قتيبة - الصفحة ٤٥ - حرب الحجاج مع ابن الأشعث وقتله
كان له من التقدم والشرف ، فازدهاه ذلك وملأه كبرا وفخرا وتطاولا ، فألزمه بنفسه ، وألحقه بأفاضل أصحابه وخاصته وأهل سره ، وأجرى عليه العطايا الواسعة ، صلة لصهره ، وحبا لإتمام الصنيعة إليه ، وإلى جميع أهله . فأقام عبد الرحمن كذلك حينا مع الحجاج ، لا يزيده الحجاج إلا إكراما ، ولا يظهر له إلا قبولا ، وفي نفس الحجاج من عجبه ما فيها ، لتشمخه زاهيا بأنفه حتى إنه كان ليقول إذا رآه مقبلا : أما والله يا عبد الرحمن ، إنك لتقبل علي بوجه فاجر ، وتدبر عني بقفاء غادر ، وأيم الله لتبتلين حقيقة أمرك على ذلك . فمكث بهذا القول منه دهرا ، حتى إذا عيل صبر الحجاج على ما يتطلع من عبد الرحمن ، أراد أن يبتلي حقيقة ما يتفرس فيه من الغدر والفجور ، وأن يبدي منه ما يكتم من غائلته ، فكتب إليه عهده على سجستان . فلما بلغ ذلك أهل بيت عبد الرحمن ، فزعوا من ذلك فزعا شديدا ، فأتوا الحجاج ، فقالوا له : أصلح الله الأمير ، إنا أعلم به منك ، فإنك به غير عالم ، ولقد أدبته بكل أدب ، فأبى أن ينتهي عن عجبه بنفسه ، ونحن نتخوف أن يفتق فتقا ، أو يحدث حدثا ، يصيبنا فيه منك ما يسؤونا [١] . فقال الحجاج : القول كما قلتم ، والرأي كالذي رأيتم ، ولقد استعملته على بصيرة ، فإن يستقم فلنفسه نظر ، وإن يفترج سبيله عن بصائر الحق يهد إليها إن شاء الله . فلما توجه عبد الرحمن إلى عمله ، توجه وهو مصر لخلعان طاعة الحجاج ، وصار بذلك مسيره أجمع حتى نزل مدينة سجستان ، ثم مر على خلعانه عام كامل ، فلما أجمع عبد الرحمن على إظهار خلعان الحجاج ، كتب إلى أيوب بن القرية التميمي ، وهو مع الحجاج في عسكره ، خاص المنزلة منه [٢] ، وكان مفوها كليما يسأله أن يصدر إليه رسالة الحجاج ، يخلع فيها طاعة
[١] أنظر الخبر في الطبري وابن الأثير حوادث سنة ٨٠ والبداية والنهاية ٩ / ٤٠ وابن الأعثم في الفتوح ٧ / ١١٥ والعبارة فيه : وجاءت أخوة عبد الرحمن بن محمد بن الأشعث منهم قيس وإسحاق والمنذر والصباح حتى دخلوا على الحجاج فقالوا : أيها الأمير ! لا توجه عبد الرحمن في هذا الجيش ، فإننا نتخوف أن يخرج عليك ! قال : فتبسم الحجاج ثم قال : ليس هذا أول حسد الأخوة ، وإنما أنتم حسدتموه لأنه ليس من أمكم . فقالوا . أيها الأمير ! أما نحن فقضينا ما علينا ونحن خارجون معه .
[٢] في الأخبار الطوال ص ٣١٨ أن الحجاج بعث ابن القرية إلى عبد الرحمن يدفعه إلى الطاعة وله الأمان على ما سلف من ذنبه . ولم يزل عبد الرحمن بابن القرية يختدعه حتى ترك ما أرسل فيه وأقام مع عبد الرحمن .