الإمامة والسياسة - ت الشيري - الدِّينَوري، ابن قتيبة - الصفحة ١٩٢ - حج أبي جعفر ولقائه مالك بن أنس وما قال له
حاجة ؟ فنهضت لوداعه فودعته ، ثم قلت : أوقت لظهور الأمر ؟ ومتى ؟ قال الله المؤقت والمنذر ، فخرجت من عنده ، فإذا مولى له يتبعني ، فأتاني بكسوة من كسوته . وقال لي : يأمرك أبو جعفر أن تصلي في هذه ، ثم افترقنا ، فوالله ما رأيته إلا وحرسيان قابضان علي يدفعانني إلى بيعتي في جماعة من قومي لنبايعه . فلما نظر إلي أثبتني ، وقال للحرسيين : خليا عمن صحت مودته ، وتقدمت قبل اليوم حرمته ، وأخذت بيعته ، فأكبر الناس ذلك من قوله . ثم قال لي : أين كنت أيام أبي العباس أخي ؟ فذهبت أعتذر . فقال : أمسك ، فإن لكل شئ وقتا لا يعدوه ، ولن يفوتك إن شاء الله حظ مودتك ، وحق مشايعتك [١] ، واختر مني رزقا يسعك ، أو خطة ترفعك ، أو عملا ينهضك .
فقلت : أنا لوصيتك حافظ . فقال : وأنا لها أحفظ ، إني إنما نهيتك أن تخطب الأعمال ولم أنهك عن قبولها إن عرضت عليك . فقلت : الرزق مع قرب أمير المؤمنين أحب إلى . فقال : وذلك أحب إلي لك ، وهو أجم لقلبك وأودع لك ، وأعفى إن شاء الله ، فهل زدت أحدا في عيالك بعد . وقد كان سألني عنهم فعجبت من حفظه . فقلت : زدت الفرس والخادم ، فقال : قد ألحقنا عيالك بعيالنا ، وخادمك بخادمنا ، ولو لم يسعني حملت لك على بيت المال ، فهل تحملك مئتا دينار لكل غرة أو نزيدك ؟ فقلت : يا أمير المؤمنين ، إن شطرها ليحملني العامين . قال فإنها لك في كل غرة فاقبضها من عاملي في أي بلد أحببت ، وإن شئت فقد ضممتك إلى المهدي ، فإنه أفرغ لك مني ، وأرضاه لك إن شاء الله [٢] .
حج أبي جعفر ولقائه مالك بن أنس وما قال له ذكروا أن أبا جعفر أمير المؤمنين لما استقامت له الأمور ، واستولى على السلطان خرج حاجا إلى مكة ، وذلك في سنة ثمان وأربعين ومئة [٣] . فلما كان
[١] في العقد : مسابقتك .
[٢] الخبر في العقد الفريد ٥ / ١٠٦ - ١١٠ وما بين معكوفتين زيادة عن نص العقد ، وهناك بعض الاختلاف لم نثبته لعدم أهميته ، انظره هناك .
[٣] حج في هذه السنة جعفر بن سليمان ( مروج الذهب - ابن الأثير ) زيد في المروج : وقيل : حج أبو جعفر .