الإمامة والسياسة - ت الشيري - الدِّينَوري، ابن قتيبة - الصفحة ١٣٥ - دخول الخوارج على عمر بن عبد العزيز
أحدهما من العرب [١] ، فأتينا بهما عمر ، فدخلنا عليه وتركناهما بالباب . فقلنا له :
إنا قد بلغنا عنك ، وقد بعثوا معنا رجلين هما بالباب . قال : فتشوهما لا يكون معهما حديد أو شئ ، ففعلنا ، ثم إننا أدخلناهما عليه . فلما دخلا قالا : السلام عليكم . قال : وعليكم السلام ، اجلسا . فلما جلسا قال لهما عمر : ما الذي أخرجكم علينا ؟ فقال العربي ، وكان أشدهما كلاما ، وأتمهما عقلا ، أما إنا لم ننكر عليك عدلك ولا سيرتك ، ولكن بيننا وبينك أمر ، هو الذي يجمع ويفرق بيننا ، فإن أعطيتناه فنحن منك وأنت منا ، وإن لم تعطنا فلسنا منك ولست منا .
فقال عمر : فما هو ؟ فقال : خالفت أهل بيتك ، وسميتهم الظلمة ، وسميت أعمالهم المظالم ، فإن زعمت أنك على الحق وأنهم على الباطل ، فالعنهم وتبرأ منهم . فقال عمر : إنكم لم تتركوا الأهل والعشائر وتعرضتم للقتال إلا وأنتم في أنفسكم مصيبون ، ولكنكم أخطأتم وضللتم ، وتركتم الحق . أخبراني عن الدين ، أواحد أو اثنان ؟ قالا : لا بل واحد . قال : أفيسعكم في دينكم شئ يعجز عني ؟ قالا : لا . قال : فأخبراني عن أبي بكر وعمر ما حالهما عندكم ؟
قالا : أفضل الناس أبو بكر وعمر . قال : ألستما تعلمان أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما توفي ارتدت العرب ، فقاتلهم أبو بكر ، فقتل الرجال ، وسبى النساء والذرية ؟ قالا : بلى . قال عمر : فلما توفي أبو بكر وقام عمر ، ورد تلك النساء والذراري إلى عشائرهما ، فهل تبرأ عمر من أبي بكر ، ولعنه بخلافه إياه ؟
قالا : لا . قال : فتتولونهما على خلاف سيرتهما . قالا : نعم . قال عمر : فما تقولان في بلال بن مرداس ؟ [٢] قالا : من خير أسلافنا . قال : أفليس قد علمتم أنه لم يزل كافا عن الدماء والأموال وقد لطخ أصحابه أيديهم فيها ، فهل تبرأت إحدى الطائفتين من الأخرى ، أو لعنت إحداهما الأخرى ؟ قالا : لا . قال :
فتتولونهما على خلاف سيرتهما . قالا : نعم . قال عمر : فأخبراني عن عبد الله بن وهب حين خرج بأصحابه من البصرة يريدون أصحابهم ، فمروا بعبد الله بن خباب فقتلوه ، وبقروا بطن جاريته ، ثم عدوا على قوم من بني قطيفة ، فقتلوا
[١] في مروج الذهب : " أحدهما من بني شيبان والآخر فيه حبشية " وفي الطبري وابن الأثير : مولى لبني شيبان حبشيا اسمه عاصم ، ورجلا من بني يشكر و ( في الطبري : من صليبة بني يشكر ) .
[٢] في المصادر المذكورة : أهل النهروان بدل بلال بن مرداس .